نعم هكذا تمشي الطواويس: أبيات للشهيد محمد مرسي

في شهر مايو 2007 كنت أجلس مع الشيخ البركة محمد الحافظ بن اكاه حفظه الله في مسجد جعفر بعد صلاة العشاء أسبوعيا لأعرض عليه ما أكتبه من فصول رسالة التخرج من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية التي كان يشرف عليها، وكانت عن "الأسلوب التخييلي في القرآن عند سيد قطب، من خلال كتابه التصوير الفني"، والشيخ محمد الحافظ معجب بشخصية سيد إعجابا شديدا، وكنت مثله في ذلك، لذلك كان يستمتع بما أكتب له عنه.

وفي إحدى الليالي كنت أقرأ عليه بعضا من الفصل الأول من البحث وهو عن حياة سيد قطب، وذكرت فيه طلب الرئيس العراقي عبد السلام من الرئيس المصري جمال عبد الناصر أن يطلق له سراح سيد قطب على أن يستصحبه معه إلى العراق، وقبل جمال عبد الناصر الطلب بالشرط المذكور، وحين عُرِضَ الأمرُ على سيد قطب -وكان حينها في السجن وقد صدر عليه حكم بالإعدام- رفض قائلا: "إنها معركة ولا أريد الفرار منها".
 

انتهى مجلس تلك الليلة وخرجنا من المسجد، ولاحظت أن الشيخ كان مستغرقا يفكر في شيء ما، ولم أجرؤ على سؤاله، فهو المهيب الذي لا يكلم إلا حين يشير، خطونا معا نحو كرفور تن اسويلم وهو ممسك بيدي، وحين عبرنا الطريق الرئيسي وأردت أن أودعه، ضغط على يدي، وقال: "الشيخ أحمد، هل تعرف لماذا لم يقبل سيد قطب طلب الرئيس عبد السلام عارف؟"، قلت: لا، فما هو برأيك؟ قال بصوته الأصحل الجميل: "لأنه لو قَبِلَ طلبه، وذهب إلى العراق لما مات الموتة التي ماتها، سيد قطب لا بد أن يموت شهيدا شهادة مدوية".
تذكرت هذه القصة وأنا أتلقى خبر استشهاد الرئيس الشرعي محمد مرسي، فهو مثل سلفه في الدعوة سيد قطب ومثل سلفهما الإمام حسن البنا، ما كان له ليموت غير شهيد، هذه موتة تليق به، إن الله لن يخيب ستين سنة من طلب الشهادة .


نعم هكذا، موتٌ مدى الدهر فخرُه**عظيمٌ -كما قد كنتَ- في الناس ذِكرُه
نعم هكذا، فالموت يأتي كما نَشَا**ويُخْتَار للإنسانِ ما هو قَدْرُه
وهل كنتَ تبغي موتةً غيرَ هذه**فللَّهِ مَبْكِيٌ رأى ما يسُرُّهُ
تساميتَ حتى قيل: إنكَ مُفْرِطٌ**وحَامَيتَ حتى قيل: ماذا يَغُرُّه
صبرتَ -ومَلَّ القيدُ رجلَيْك- قَابضًا**على الجمر، والسَّجَّان قَدْ عِيلَ صَبْرُه
وقدْ كانَ -لو أدهنتَ في القول مَرَّةً-**وَوَدُّوا، وَضَجَّ الكونُ: قَوْلٌ تُمِرُّه
فوالله ما هذي خِلَالُ ابنِ آدَمٍ**فَمِنْ أيِّ أرضِ اللهِ قَدْ قُدَّ صَخْرُه!
وهيهاتَ أن يُصْغِي لعُذَّالِهِ فَتًى**تَعَشَّقَهُ دَرْبُ المعالي وطُهْرُه
وفاحتْ على أنْفَاسِه وهْوَ رَاكِضٌ **إلى الله فِردَوْسُ الأعَالي وعِطرُه
سنأْسَى كما تَأْسَى الغواني، ونَشْتَفِي**بدمعٍ، ويخبُو -مثلَ ما كانَ- جَمْرُه
ونُغْضِي عَلَى أقذائنا، ثمَّ يرْتَقِي**شَهِيدٌ فَنَبْكِي، هكذا الحالُ مُرُّه
قتلناك قبل اليوم سبعين مرة**ونبكي، فيالله، والأمر أمرُه
نعم هكذا تَمشي الطَّوَاويسُ خَطْوُها**مَهِيبٌ، ويَفْنَى الشامخُ الحُرُّ صَدْرُه


رحمه الله

 

د. الشيخ أحمد البان

معلومات إضافية