ملاحظات على تدوينات النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود

وكنت عزفت عن منطق الردود، واعتبرتها في حالة انفعال نوعا من "القمع الفكري"، ولخصت الرؤية في مناسبة أكثر هدودً مدلول هذه الرؤية في أن الأصل هو "دراسة الأفكار" والنقود بتجرد للاستفادة منها، وترجيح "الرد الموجب"، بشرح الفكرة الأصل، وإيضاح مرتكزات المواقف، على "الرد السالب" بإنتاج نقائض ما يطرحه النقَدة، فالموازاة في الأفكار،

أولى من المقارعة، خاصة في مجتمع تكون فيه الاصطفافات غير موضوعية، والتعبير عنها غير متّزن.

وأجد في نفس الوقت أن التصامم قد يكون نوعا من "التكبر" غير لائق.
وحين يكون المعني غير مشهور بالتحامل، أو التعميم الذي يؤدي إلى سوء التأويل، فإن أولوية النقاش تعلو، وتترجح مصالحه على مفاسد التجاهل والسكوت. وما زلت أعد الصديق محمد الأمين ولد سيدي مولود من هذا الصنف.

استمعت إلى أغلب "الملاحظات" الواردة في تدوينات الصديق النائب مشافهة، ومع بعض التكرار، كلما تجددت المناسبة، أو لم تتجدد، وآخر مرتين استمعت فيهما إلى هذه الملاحظات أو جزء منها كان بعد يومين من إعلان فوزه ثالث ثلاثة (رأس اللاذحة الوطنية، واللائحة الوطنية للنساء) بعضوية البرلمان، عن حزب الشورى من أجل التنمية، وقبل أيام من يوم الاقتراع عند زيارة مفاجئة لمقر حملته.

من أكثر ما لا أرغب في التوقف عنده التدقيق في مسيرة الأحزاب والشخصيات في الحياة العامة، إلا من باب الاعتبار بالتاريخ، وفهم بعض دوافع المواقف والمواقع، لأن الحياة العامة والمواقف فيها رهينة التطورات الذهنية، للأشخاص والمجموعات، ورهينة بما يرسمه الشخص أو المؤسسة لنفسه من أهداف، ومن مجافاة العدل والإنصاف محاسبة الناس على أهداف لم يرسموها لأنفسهم، وافتراض فهم معين لمواقفهم، أو مواقعهم، ثم محاسبتهم على عدم الانسجام مع هذا الفهم، أو عدم الاستمرار في الانسجام معه طول الحياة وعرضها.

وحتى مع أخذ تغير الظروف في الاعتبار، ومحاولة الاقتراب من الموضوعية فإن فهمنا لسلوك الآخرين، هيئات وأحزابا، يظل قاصرا، ولذلك فنحن مطالبون بكثير من التنسيب والتحوط، وعدم المجازفة بالأحكام العامة.
بعد هذه المقدمات، التي أراها ضرورية، حان وقت الدخول في شيء من نقاش موضوعات ملاحظات الصديق محمد الأمين، فأقول وبالله التوفيق:

1. المقدمة الفدائية التي مهد بها الصديق للعب دور الضحية في سجال قرر أن يبدأه في لحظة احتداد نقاش، لا أظنها استجداء لتعاطف ممن يسرهم شحذ سهام الشتيمة في اتجاه تواصل، ومدرسته الفكرية. ذلك مقام أرفع عنه تفكير الصديق العزيز محمد الأمين، ولعل حاسته الصحفية قادته إلى اختيار موجة النقاش الدائر بشأن المظالم الاجتماعية، والخرطوم الرابط بين هذه السجالات وحزب تواصل.

2. ملاحظات الصديق المتعلقة بالإيديولوجيا، تركز على نقد عمومي جدا، وعائم، ويمكن قوله عن كل فكرة، وفي كل زمان، وكل مكان. والأخطر في هذا النقد، ليس خلوه من سمات أي نقد علمي موضوعي، بل مجازفته بتنزيل المفاهيم على حالات يصل التنوع بينها حد التناقض.

واقتناص هذه السانحة يقودني إلى التعريج على القدح في تواصل بكونه حالة "عرْضية" من المجتمع؛ "وتلك شكاة ظاهر عنك عارها!". تواصل حالة من المجتمع الموريتاني، وتنوعه، وذلك واضح في مخرجاته الانتخابية.

عدم التساوي في استيعاب أبعاد بعض القضايا، أو الحماس عن الدفاع عن بعض المواقف، شيء طبيعي، وأكثر من طبيعي في مؤسسة تلم شتات مجتمع متنوع الأعراق والثقافات والخلفيات مثل المجتمع الموريتاني، وشأن غير الأحزاب الصب في القوالب الميكانيكية، وتنميط التعبير عن القناعات، ولعمري إن تهمة الأدلجة المغلقة الجامدة لا تستقيم مع مقولة التباينات من القضايا، ولا تغني في ذلك "رشوة النخبة الوعية" وحفنة القيادات المستنيرة، ولا كاريزما أشخاص بعينهم.

ما يجب أن تحاكم عليه الأحزاب، إن كان لا بد من محاكمتها، هو مواقفها العامة، ووثائقها المرجعية، وليخبرني الصديق العزيز أين ظهرت فيها "حراسة الوهم" وثقافة لخيام.. وما الترشيحات التي أسالت المداد عنه ببعيد.

بعد هذا الاستطراد، أستسمح في استخدام الأرشيف جريا على سنة سعادة النائب، وأورد فقرة من مقال قديم منشور قبل أربع سنوات: "إن الأيديولجيا تعني في أبسط تجلياتها الواقعيةِ أن تمتلك نسقا تنظر من خلاله إلى الأحداث في مقابل تكنوقراطية التلون التي يلبس بها "مثقفونا" جلد حرباء يتلون بأمنيات أرباب الأشجار المختلفة التي يُسمح لهم بتفيئ ظلالها كل ذات حالة اختطاف سلطة أو مشروع.

وهل بَنَى الأوطانَ غير أصحاب الأيديولوجيا؟ (لا تحتمل المساحة نقاشا معرفيا للمفهوم، لذا تكفي الإشارات الحجاجية هنا). إن التاريخ الوطني يحدثنا أن التيارات الفكرية بمختلف مشاربها هي التي وضعت اللبنات الأولى للاستقلال، وهي التي أسست نواة الحركة الوطنية، وهي التي ناضلت لتوسيع دائرة الفعل الوطني منذ اليوم الأول إلى غد. جيل يسلم الراية لجيل، وحركة تهدي عصارة تجاربها لأخرى، وظلت دماء المؤدلجين ونضالاتهم توفر أرائك يتقلب فيها "المستقلون"، وإضافات في الرواتب يزيدون بها مقروءاتهم من شعر الغزل، وقصص المنحوتات.

فلما ابتلينا بالفيس بوك وبرامج "منزوع الدسم" في التلفزيونات أصبحت الأيديولوجيا جريمة مساوية لمناهضة الوطن!!."

وأخوف ما أخاف بشأن الأيديولوجيا أن يستبدل "عماها" بإيديولوجيا "رفض الأيديولوجيا"، وإن يكن فعمى أيديولوجية جماعية أحب إلي.

 

محمد عبد الله لحبيب

معلومات إضافية