الخليج الاماراتية:ولد عبد العزيز هزم خصومه السياسيين

Share

بشكل مفاجئ، بدأ الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بإطفاء نار احتجاجات خصومه على مستوى كل الجبهات، واستخدم أكثر من “إطفائي” خلال الأيام الماضية، وبصورة لم تكن متوقعة حتى لأي من المراقبين .

لقد تناولنا في “الخليج” خلال الأسبوع الماضي كيف

ن ولد عبد العزيز بادر إلى عقد سلسلة لقاءات بالقوى السياسية والحقوقية “المتطرفة”، فاجتمع بقادة حركتين محظورتين هما: “أفلام” (قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين)، و”إيرا”، التي تعد أكثر المنظمات الحقوقية إثارة للجدل . لقد تقدمت هذه الأخيرة بطلب حزب سياسي، ثم شرع قادة الأولى في الدخول في سلسلة اجتماعات مع قادة الأحزاب السياسية، تمهيداً لدخول العمل السياسي الميداني “الشرعي” . لقد أعطى النظام بطرقه الخاصة أيضا “حقنة تقوية” لدفع مشروع الحزب السلفي الموريتاني .

في تطور لم يكن في الحسبان، أقدم النظام على تسوية أزمته مع ابن عمه الملياردير محمد ولد بوعماتو، مالك أكبر مجموعة مالية وتجارية في البلد، بعد أشهر من التصعيد تم خلالها فرض ضرائب ب5 مليارات على المجموعة، وسجن نائب رئيسها، وسحب أرصدة الشركات الحكومية من البنك التابع للمجموعة .

نهاية الأسبوع حملت حلاً من “دفعة واحدة” ومن نوع “كاش”، لهذه الأزمة، فقد أمر الملياردير بوعماتو يوم الخميس الماضي بفتح شبابيك بنكه بعد شهرين على إغلاقه احتجاجاً على الإجراءات التي تعرضت لها مجموعته التي وصفت بأنها تهدف إلى إفقارها، وفي نفس اليوم أطلق سراح نائب رئيس المجموعة، ونشرت وسائل إعلام موريتانية خبر عودة بوعماتو في وقت قريب وانتظاره بحفل عشاء فاخر في القصر الرئاسي . وقبل ذلك “أوعزت” الحكومة إلى المؤسسات العمومية بتسديد ديونها، وهي بالمليارات، لمجوعة بوعماتو المالية .

لقد كاد الآن “ربيع المال” في موريتانيا يطوي أوراقه، ومن شبه المؤكد أن هذه الأزمة تم تجفيف مستنقعها .

وفي خطوة لاحقة، قدم زعماء ائتلاف الأغلبية الرئاسية “رداً إيجابياً” على مبادرة الحل التوافقي التي تقدم بها مسعود ولد بلخير رئيس البرلمان وزعيم قطب المعارض المحاورة .

وجاء في بيان الأغلبية الرئاسية أن قادتها الذين اجتمعوا برئيس البرلمان أبلغوه “رداً إيجابياً” على المبادرة، وأبدوا استعدادهم للحوار والتفاوض مع كل الأطراف من أجل تنظيم انتخابات يطمئن الجميع لنزاهتها وشفافيتها .

ويسهم ذلك في امتصاص “سخط” رئيس البرلمان، وهو الذي لجأ مؤخراً إلى طرح مبادرة الحل التوافقي، وأعاد جسور التواصل مع رفاقه في منسقية المعارضة التاريخية، كما حمل رد الموالاة رسالة تهدئة إلى المعارضة الراديكالية، وإلى مختلف الأطراف المتخوفة من انتخابات عامة “على الغارب” .

وحصلت “الخليج” على معلومات دقيقة تؤكد وجود محاولات يقوم بها نظام ولد عبد العزيز للتواصل مع القوة الرئيسة المناوئة، أي منسقية المعارضة الراديكالية التي رفعت شعار “رحيل النظام” منذ ثلاث سنوات .

وقال أحد زعماء المعارضة في تصريح ل”الخليج” إن “هنالك فعلاً محاولات مع المنسقية” . . لكن هذا ليس للتداول الآن” .

قام النظام أيضاً بالترخيص لأغلب القنوات التلفزيونية والإذاعية المستقلة التي رفضت ملفاتها العام الماضي .

لقد بدأ الرأي العام الموريتاني والمحللون والمراقبون يسبحون في بركة التعجب من هذه التطورات . فما الذي دهى الجنرال (الرئيس)، ودفعه إلى “حملة تهدئة عامة” في وقت تمكن فيه من هزيمة “شعار الرحيل”، وكاد التصور يسود بأن الأجواء مهدت ليصول الرئيس ويجول فيها حيث يحلو له .

ثمة العديد من التحليلات والآراء التي تحاول إيجاد تفسير لهذا “التطور السلوكي” المفاجئ، والذي أنعش الآمال في التمهيد لتهدئة جادة والتوصل لأدنى حد ممكن من الحل التوافقي للأزمة السياسية، والذي ترافق أيضاً مع إعلان الحكومة عن تمويل استراتيجية للتماسك الاجتماعي، وهو موضوع مهم في بلد كموريتانيا يسود فيه الجدل حول ملفات حساسة داخل الأغلبية العربية، فضلا عن ملف الأقلية الإفريقية التي تعرضت لمظالم خلال ما يعرف ب”سنوات الجمر والرصاص” (1989-1993) .

يميل أغلب السياسيين المناوئين، والذين تحدثت إليهم “الخليج”، إلى أن خطوات ولد عبد العزيز التهديئية، جاءت بدافع الرغبة في التغلب على “الملفات الخفية”، التي أثيرت مؤخراً، وبينها قضية المخدرات، حيث تنظر المحاكم الباريسية الآن في الدعوى القضائية التي رفعها الرئيس ولد عبد العزيز ضد نائب فرنسي اتهمه برعاية المخدرات في منطقة الساحل، ويشير هؤلاء السياسيون إلى أن “هذه القضية قد تأخذ أبعاداً أخرى، في ظل قيام أمريكا بفتح تحقيقات حول المسؤولين الضالعين في ملف المخدرات بمنطقة الساحل، وهي القضية التي بدأت من غينيا بيساو، حيث تم اعتقال القائد السابق لبحرية هذا البلد ضمن الملف، كما أن منسقية المعارضة الموريتانية شكلت لجنة تحقيق في “تسجيلات أكرا” الصوتية المنسوبة للرئيس، والتي تربطه بعصابات دولية لتزوير العملات، فيما جاء حل “أزمة بوعماتو” بعد أن تحركت فيها قوى خارجية كالبنك الدولي وصندوق النقد وفرنسا” .

ووفق هذه الرؤية، فإن إثارة الملفات السرية المرتبطة بشخص الرئيس ولد عبد العزيز، جعلته يبادر إلى التهدئة وكأنها “إكراميات” من “إطفائي” محترف . . وفق تصور قادة في اليسار الموريتاني . يرون أن القوة التي خرج بها الرئيس بعد حادث إصابته بطل ناري عن طريق الخطأ، الذي تعرض له نهاية السنة الماضية، أصبحت مهددة بالتلاشي جراء الملفات السرية، التي قد تنقل ورطة الصراع الداخلي إلى بعد دولي .

وتناقض هذه الرؤية تماماً ما تسوقه أطراف في الموالاة، تعتبر ما يقوم به الرئيس من اتصالات بمختلف الأطراف بعد أن فشلت المعارضة في خيار الشارع، هو مواكبة لتطور التجربة الديمقراطية في البلاد، ومتطلبات المرحلة التي تقتضي الاستماع لكل موريتاني مهما كان رأيه، وأساساً لطمأنة الجميع خاصة في ما يتعلق بشفافية الانتخابات العامة المرتقبة .

لكن الحراك المحموم الذي دشنه الرئيس ولد عبد العزيز بلقاءات الكواليس ورسائل التهدئة، وأظهر من خلاله أنه لا يريد استثناء أي “أوار” مهما صغر من “نار المستائين والمغاضبين والمناوئين” إلا وحاول إطفاءه، لا يتعلق على الأرجح إلا بخطوتين تقتربان يوماً بعد آخر، وتشكلان منعطفاً حاسماً في مسار النظام . فقد اقترب موعد إرسال الجيش الموريتاني للمشاركة في حرب مالي عبر قوة حفظ السلام الأممية، التي ستعمل على تعزيز المكاسب التي حققها التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي وضمان أمن واستقرار مالي في وجه الانتخابات والمصالحة ومواجهة بقايا تحالف الفرع الصحراوي للقاعدة والجماعات الإسلامية المتحالفة معه .

وتتطلب هذه المشاركة العمل على توحيد الجبهة الداخلية أو على الأقل التخفيف من الاحتقان السياسي والاجتماعي، دعماً للجيش وللنظام في وجه خسائر محتملة للوحدات الموريتانية المرجح أن تسند إليها إحدى المناطق الساخنة شمال مالي، باعتبارها قوات مدربة على حروب الصحراء .

وفي هذا السياق لا يستبعد أن تكون وراء “مرونة” الرئيس ومساعيه للتهدئة نصائح وتدخلات غربية، باعتبار أن ملف الأمن في منطقة الساحل أصبح ملفاً عالمياً . كما أن هرولة قوى ومنظمات متشددة إلى لقاء الرئيس والمباحثات معه لم تأت من فراغ، ولا بمعزل عن “الحاضنة” الغربية لتلك المنظمات .

وفي الاتجاه نفسه، اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الموريتانية المقررة ،2014 ومن المؤكد أن الأولوية لدى ولد عبد العزيز هو تأمين ولاية رئاسية ثانية، ولهذا فإن الرئيس الموريتاني، ربما، خطط لإشغال القوى السياسية ب”فتات” أو “طعم” الانتخابات البرلمانية والبلدية، ليتمكن من اصطياد ولايته الثانية في مياه أقل خطورة وأكثر صفاء . . خاصة أن أغلب القوى الحزبية في البلاد لا تضع منصب الرئاسة في أولوياتها وإنما هي مكتفية بالسعي للحصول على كتل انتخابية تؤمن لها المشاركة في المحاصصات الحكومية المرتقبة، أو تسمح لها بالولوج إلى منابع المال السياسي الداخلي والخارجي الذي بات يفصل على الحجم الانتخابي للمجالس المحلية والتشريعية التي يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك .

هذه هي المسوغات التي نسجت خيوط البذلة الحمامية، التي ظهر بها الرئيس الموريتاني هذا الأسبوع على ساحة بلاده، جعلت المراقبين والمتابعين يتساءلون الآن إلى متى يمكن للجنرال تناسي صقريته الأصيلة، وإخفاء مخالبه الحادة، وإلى أي حد سيذهب في هذه المناورة؟ وهل ستجد فيها منسقية المعارضة الراديكالية فرصة للدخول في حوار جاد مع النظام؟ وهل يمكن القول إن صوت الحكمة في طريقه إلى نزع فتيل المتفجرات التي زرعتها الأزمة السياسية في أرضيات اجتماعية وشرائحية؟ وباختصار: هل يتجه أقطاب الساحة الموريتانية إلى حوار جديد فاتفاق سياسي آخر يهديهم إلى طريق صندوق الاقتراع بدل فوهة البركان؟

عن أنباء

Share

معلومات إضافية