لمن الغلبة اليوم.. سجال الشارع والجيش يتصاعد في السودان

مرة أخرى يتجدد الخلاف في السودان بشأن المرحلة الانتقالية ودور الجيش فيها، في متوالية أحدث حلقاتها مطالبة قوى إعلان الحرية والتغيير -المساندة للحراك الشعبي- المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة إلى مجلس سيادي مدني، يتولى مهام مرحلة ما بعد نظام عمر البشير. فمنذ استقلال السودان عام 1956 منذ 63 عاما، صبغ الحكم العسكري تاريخ البلاد عبر ثلاث فترات استمرت 54 عاما، تخللتها فترات قصيرة من الحكم المدني لم تتجاوز في مجملها نحو تسع سنوات، تكفل العسكر دائما بإنهائها.

المشهد في السودان الآن مشابه لما حدث خلال ثورتين سابقتين عام 1964 و1985، فبعد الإطاحة بالجنرال البشير الذي حكم البلاد لثلاثة عقود، انحاز الجيش لمطالب المتظاهرين الذين احتموا بمقر قيادته في الخرطوم، وتسلم السلطة مجلس عسكري لمدة عامين برئاسة الفريق الركن عبد الفتاح البرهان الذي دعا قوى المعارضة لتسمية رئيس حكومة مدنية ستضطلع بمهام الفترة الانتقالية.



لكن حراك السودانيين يبدو أنه لم يبلغ محطته الأخيرة، حيث يتواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش لليوم الخامس عشر على التوالي، لمطالبة المجلس العسكري بنقل السلطة إلى مجلس مدني سيادي بتمثيل عسكري يمثل رأس الدولة.

تجمع المهنيين كشف أنه سلم مذكرة للمجلس العسكري تتضمن عددا من المطالب (الأناضول)



تسليم مذكرة

وتكفل وفد من قوى إعلان الحرية والتغيير -المساند للحراك- بتسليم مذكرة للمجلس العسكري بقائمة من المطالب، تشمل أيضا تشكيل حكومة مدنية انتقالية ومجلس تشريعي قومي مصغر يقوم بأعباء التشريع خلال الفترة الانتقالية.



وعلى الفور، حدد تجمع المهنيين غدا الأحد لعقد مؤتمر صحفي في ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش، يعلن فيه الأسماء المقترحة لعضوية المجلس السيادي المدني الذي سيحل محل المجلس العسكري الانتقالي، ووجه الدعوات لدبلوماسيين لحضور المؤتمر.



وتتجه الأنظار حاليا للخطوة التالية للمجلس العسكري الذي أظهر حتى الآن التصاقا بمطالب الحراك عبر الاستجابة لعدد منها، مثل إلغاء حالة الطوارئ والإعلان عن اعتقال البشير ورموز نظامه، لكنه مع ذلك لم يسلم من انتقاد نشطاء اعتبروا أنه امتداد للنظام السابق من واقع أن بعض أعضائه عملوا إلى جانب البشير، كما أعربوا عن شكوك بجديته في تحقيق مطالبهم فهم يطالبون بالدليل على اعتقال رموز النظام السابق وتصفية مؤسساته.



عسكرة السياسة

ومع التقدير الكبير الذي يحظى به الجيش في الشارع لحمايته المتظاهرين، فإن ناشطين أبدوا معارضتهم لأي دور له في حكم البلاد، ويقول المتظاهر ولي الدين إنه "لن يبرح ساحة الاعتصام قبل أن يسلم البرهان السلطة لحكومة مدنية".



وفي المقابل أكد البعض على ضرورة استمرار المجلس العسكري "في ظل المهددات الأمنية الداخلية والإقليمية والدولية، ولهشاشة الواقع السياسي بالسودان"، كما يقول عبد المنعم الملك في صفحته على فيسبوك.



ويحمّل بعض السودانيين قوى المعارضة مسؤولية الانقلابات العسكرية المتكررة "بتشاكساتها وخلافاتها المستمرة وعدم اتفاقها على برنامج موحد، بل إن بعضها هي من طلب من الجيش تسلم السلطة".



وقد برز ذلك إلى السطح -وفقا لهؤلاء- من خلال تحفظ ناشطين ضمن تحالف الحرية والتغيير على إعلان تجمع المهنيين "منفردا" عزمه الإعلان عن أسماء المجلس المدني السيادي، واعتبر ناشط بالمؤتمر الشعبي الخطوة غير مدروسة وأن المجلس العسكري شريك أصيل في التغيير.



وامتدت الخلافات بين بعض مكونات المعارضة إلى الفترة الانتقالية، ففي حين يطالب إعلان الحرية والتغيير أن تكون مدتها أربع سنوات، يرى حزب المؤتمر الشعبي تقصيرها إلى عام واحد.



خلاف الانتقال

والخلاف بشأن مدة الفترة الانتقالية تكرر كثيرا سابقا، وغالبا ما تقترح الأحزاب اليسارية فترة أطول "للشرعية الثورية" على عكس الأحزاب التقليدية التي تقترح مددا قصيرة، وهو أمر يرجعه مراقبون إلى أن الأحزاب اليسارية ليس لها سند كبير في الشارع السوداني، وبالتالي تريد تطويل المدة لتغيير مفاهيم المجتمع، على عكس الأحزاب التقليدية "ذات القاعدة الشعبية الكبيرة"



وقبل الفترة الحالية مرت على السودان ثلاث فترات حكم انتقالي:



الفترة الأولى: (من ديسمبر/كانون الأول 1953 إلى يناير/كانون الثاني 1956)، وجاءت بالاتفاق بين دولتي الحكم الثنائي (بريطانيا ومصر) الذي قضى بإجراء انتخابات تأتي ببرلمان وطني يحكم السودان حكما ذاتيا قبل تقرير المصير بالاستقلال الكامل أو الوحدة مع مصر، وجرت الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني 1953 بإشراف لجنة دولية.



الفترة الثانية: (من 26 أكتوبر/تشرين الأول 1964 إلى 8 مايو/أيار 1965)، بعد الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، انحاز الجيش إلى المتظاهرين وسلم السلطة لحكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة ثم حكومة جبهة الهيئات، وجرت في نهايتها انتخابات في الفترة من 21 أبريل/نيسان إلى 8 مايو/أيار 1965.



الفترة الثالثة: جاءت بعد انحياز القوات المسلحة للشعب في الفترة من 10 أبريل/نيسان 1985 حتى 12 أبريل/نيسان 1986، حيث تم تشكيل مجلس عسكري برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب أوكلت له كل السلطات السيادية، إضافة إلى مشاركته في السلطات التشريعية مع مجلس الوزراء في حكومة التجمع الوطني الانتقالية برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله، أعقبها إجراء انتخابات في الفترة من 1 حتى 12 أبريل/نيسان 1986.

المصدر : الجزيرة

معلومات إضافية