شهود على موت حلب

Share

وصف المتحدّث باسم مجلس حقوق الإنسان، روبرت كولفيل، ما يجري في حلب بأنّه "انهيار كامل للإنسانية". وتأتي شهادات أهلها وسط الجثث والدمار والقصف لتؤكّد ذلك وأكثر.
"نحن نُقصف بجميع أنواع الأسلحة والصواريخ. لم يتوقف القصف قَطّ طوال ساعات الليل وحتى الآن (صباح يوم أمس الثلاثاء).

القادمون من حيّ بستان القصر يتحدّثون عن وجود أكثر من عشرين عائلة تحت الأنقاض. حلب أصبحت مدينة أشباح، والدفاع المدني لم يستطع إخراج أحد، إذ لا توجد أية مستلزمات حفر أو إنقاذ أو إسعاف". هذه كلمات الناشط جود الخطيب، الذي كان يتحدث عبر تسجيل الفيديو، فيما يُسمع في الخلفيّة دويّ مدفعية وهدير طيران حربي، بوضوح. كان ذلك في داخل المنطقة المحاصرة في حلب، والتي باتت مساحتها تُقدّر بمئات الأمتار فقط. وينتهي كلامه مع سقوط برميلٍ متفجّر آخر بالقرب من مكان وجوده.

 


غير بعيدٍ عنه، في حيّ المشهد الذي بقي مع ثلاثة أحياء أخرى حوله تحت سيطرة المعارضة السورية حتى عصر أمس الثلاثاء، تحدّث الطبيب سالم أبو النصر بمرارةٍ عن الوضع الإنساني الكارثي في الكيلومترات الثلاثة التي يُحاصِر النظام داخلها نحو مائة ألف مدني. قال إنّ "الناس تكدسوا فوق بعضهم في البيوت، ومطلبهم الإنساني هو وقف إطلاق النار وحفظ حقّهم بالحياة فقط". يضيف الطبيب الذي نزح بدوره من منطقة أخرى خلال اليومين الماضيين، أنّ قوات النظام والمليشيات المساندة له "تستمرّ بقصفنا بكلّ أنواع الأسلحة"، مشيراً إلى أنّ "الوضع الطبي مأساوي للغاية". ويؤكّد على أنّ "لا إمكانية لعلاج المصابين، فالمنطقة تتعرّض لإبادة.. إبادة حقيقة. وقد يكون هذا النداء الأخير، على أمل أن يجد آذاناً صاغية عند صناع القرار في العالم".

هاتان شهادتان من عشرات مماثلة، وردت من المناطق المحاصرة بالكامل في مدينة حلب التي تقلصت مساحتها عشر مرات تقريباً منذ أقلّ من شهر. يُذكر أنّ المأساة التي خلّفها هجوم قوات النظام السوري في حلب، وصلت ذروتها خلال اليومين الماضيين، مع فقدان المعارضة مزيداً من الأحياء. بدوره أدّى ذلك إلى حملات نزوح جديدة.

وسط هذه الظروف، وبصعوبة، تواصلت "العربي الجديد" مع أحد النازحين في حلب. يقول عبد السلام: "نزحنا صباح أمس من بستان القصر إلى المشهد. وصلنا ركضاً. كان القصف شديداً والقذائف تتساقط من حولنا. رأينا جثثاً كثيرة في الشوارع، لم يتسنَّ لي التأكّد من بقاء أيّ كان على قيد الحياة. بعد ساعات في الشوارع تحت القصف المستمر، دخلنا إلى منزل عائلة لا نعرفها". يضيف: "لا أعرف ما الذي سوف يحدث. أشعر بأنّنا ننتظر الموت فحسب. ثمّة حالة رعب شديد. قوات النظام قريبة منا، وكثيرون هربوا إلى هنا. حين تدخل، سوف تقع مجزرة كبيرة، لن ننجو منها على الأغلب. آلاف الناس في الشارع لا مأوى لهم ولا غذاء ولا أغطية. الكهرباء مقطوعة وأسمع نداءات لأطباء أو ممرضين. يبدو أنّ ثمّة جرحى لا يجدون من يداويهم". ويشير عبد السلام قبل أن ينقطع الاتصال، إلى "تخوّف آلاف المدنيين من أن تعيش المنطقة المحاصرة مجازر مروّعة". ويشدّد: "إن حدث ذلك، ذكّروا العالم دائماً بأنّنا متنا لأنّنا لم نرضَ أن نرضخ للدكتاتور. نحن أردنا الكرامة والحرية ولسنا إرهابيين".



الاتصالات صعبة جداً، نظراً إلى عدم توفّر الكهرباء وصعوبة التواصل عبر الإنترنت. لكنّ ذلك لم يمنع من التأكّد من استمرار النزوح من منطقة إلى أخرى، وسط حالة هلع عارمة، رأى ناشطون أنّها تبدو كـ "نهاية العالم". وقد تقاطعت روايات من تواصلت معهم "العربي الجديد" في حلب، لتؤكّد أنّ الجثث تملأ الشوارع، والجرحى في كلّ مكان من دون إسعاف، إذ لا نقاط ولا كوادر طبية. كذلك يفترش آلاف المدنيين الشوارع وسط القصف والبراميل، مع تدنّي درجات الحرارة وهطول الأمطار ابتداءً منذ صباح أمس الثلاثاء.

في سياق متصل، أوضحت فرق الدفاع المدني السوري في حلب أنّها وللمرّة الأولى، لم تستطع إحصاء عدد القتلى والجرحى خلال يومَي الإثنين والثلاثاء، نظراً إلى كثرة أعداد الضحايا وبقاء كثيرين تحت الأنقاض وسط عجز فرق الإغاثة عن الوصول إليهم وعدم امتلاكها آليات ومعدات لازمة لانتشالهم. وعبر حسابه الرسمي على موقع "تويتر"، غرّد "الدفاع المدني السوري" ظهر أمس الثلاثاء أنّ "المدنيين والنازحين من الأحياء الشرقية يتجمّعون في شوارع أحياء حلب المحاصرة، ولا يمكننا تقديم المساعدة لهم، والقصف ما زال مستمراً". وقد وجّه "النداء الأخير" إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية، إذ إنّ "ما يقارب مائة ألف مدني محاصرون بمنطقة ضيقة، والقصف ينهال عليهم بشكل جنوني".

إلى ذلك، كان تصريح آخر للدفاع المدني السوري قد أفاد بأنّ الحالة الإنسانية كارثية في أحياء حلب المحاصرة، إذ "فرق الإنقاذ عاجزة عن إنقاذ الجرحى. نسمع أنين الأطفال تحت الأنقاض، ولا نستطيع إنقاذهم بسبب القصف العنيف وجثث الشهداء تملأ شوارع حلب المحاصرة".

ما يفاقم الصورة المأساوية للأوضاع الإنسانية الكارثية في حلب، هو أنّ عشرات الآلاف من الذين يفرّون من الموت ويبحثون عن أيّ ممر للخلاص منه، مضطرون إلى الهروب من مناطقهم التي تقصفها قوات النظام، نحو مناطق سيطرة هذه القوات. وهو ما يصفه ناشطون بأنّه "هروب من القتل إلى القاتل"

 

عن العربي

Share

معلومات إضافية