حديث الجمعة

Share

ليست هذه الحلقات مرتبة؛ بل هي خواطر أكتبها حسب ما تذكرت. واليوم سأحدثكم عن خروجي مع جماعة الدعوة والتبليغ. والسبب في تذكري هذا الموضوع هو حضوري لاجتماع الدعوة السنوي في المركز الأسابيع الماضية.  في مساء 08 أغسطس 2009 جئت إلى مركز الدعوة بمقاطعة الرياض، أو ما يعرف شعبيا بـ"المركز" وسلمت نفسي لأهل المشورة بعد أن تعهدت لأحدهم بأنني سأخرج ثلاثة أيام.

سر صديقي بهذا الاستسلام وبت ليلتي تلك بالمركز بعد أن قمنا بكل برامجهم المقررة ذلك المساء، من بيان بعد صلاة المغرب وقراءة في حياة الصحابة بعد صلاة العِشاء، فالعَشاء

ولا يُصلِّي عِشَاهُ ~~ حتَّى يُحَلَّى عَشَاهُ
وإن عَشَا لسناهُ ~~ من جهلهِ أعشاهُ
فنصائح حول النوم فإطفاء للمصابيح.
كانت الأوامر حول النوم صارمة لا يتجاوز أحد العاشرة مساء. رائحة الحبة السوداء ومشتقاتها والعطور الكريهة الرائحة تملأ المكان.
بت تلك الليلة في ناموسية مع اثنين من الأحباب. والأحباب مصطلح يطلقه أصحاب الدعوة على رفقائهم.
لم يستمر نومي نهائيا؛ بل ت قطع مرارا. مرة يضربني أحدهما بيده أو يتحرك حركة تزعجني، وهذا مختلف تماما مع نظامي للنوم. فقد اختلف حالي تلك الليلة! فالفراش الوثير، والمخدة اللينة ذات الحجم المتوسط، والبيت المنفرد.. كلها شروط افتقدها نومي.
نهضنا قبل الفجر بساعة تقريبا، وبدأنا في الاستعداد لصلاة الصبح. هذا يستاك، وذلك يغير ملابسه، وذاك يتوضأ وآخرون يغيرون ملابسهم، وبعضهم يصدرون أصواتا مختلفة من بينها سعال وعطاس وتنخم وهمهمة متواصلة.. وغير ذلك. بعد الصلاة بدأ ما يعرف عندهم ببيان الفجر، قدمه رجل آدم البشرة اشتعلت لحيته شيبا. كان هادئا.. جلس على مقعد بجوار المنبر. قبل أن يتكلم خلل لحيته بأصابعه، ثم أمسكها ومدها أمامه، ثم رفع حاجبيه، ثم نظر الى الجالسين نظرة تعجب وموعظة (هكذا حسبتها، والله أعلم بمراده منها) ثم حمد الله وأثنى عليه، وذكّر بالبعث والنشور، وكان مثال النوم لمن نام حاضرا في ذهنه، وشبه حال النائمين واستيقاظهم بحال الموتى وبعثهم.
بعد هذا البيان بدأ ما يعرف بالإفطار، فوضعوا الخبز والزيت فوق سفرة امتدت من جانب المسجد الشمالي حتى جانبه الجنوبي. بدأ الأحباب في الحديث، وكان حديثهم أساسا حول من خرج، ومن هو عائد من الخروج، وعن فوائد الدعوة على المجتمع، وأثرها الطيب عليه. كنت أحس أن من بين الجالسين من يظن أنه يعيش في القرن الأول للإسلام، وأن مثلي بالنسبة له رعاع قريش.
بعد هذا الإفطار جاءت أوامر عليا من أهل المشورة بتحديد المكان الذي سنذهب إليه، وتسجل أسمائنا، ومعرفة عددنا، وتحديد أميرنا. وكنا أحد عشر شخصا، وكان أميرنا رجلا أريحيا من الشرطة المعدنية.
توجهنا الى مسجد لا أذكر اسمه لكنه غير بعيد من دار العلامة محمد فاضل ولد محمد الأمين في مقاطعة تيارت. وصلنا المسجد ضحى، وكان في استقبالنا رجل يرأس مقاما بدار النعيم، فأكرم وفادتنا، وكان جيران المسجد غاية في الكرم. وأعتقد أن جلهم ينحدر من ولاية آدرار، لأنهم جميعا أرسلوا إلينا "التگلاع" ومن خلال ذلك حددت جهتهم.
وزع الأمير الأدوار، وجعلني من ضمن من سيذهب في الجولة مساء. والجولة في اصطلاحهم عبارة عن أربعة رجال يذهبون الى جيران المسجد ليعلموهم أن بالمسجد جماعة، وأن على الناس الالتحاق بها.
في المساء رفضت الذهاب في الجولة وطلبت إبدالها بتنظيف الأواني وكناسة المسجد، فقبل الأمير بعد أن حاول ثنيي عن هذا القرار وضحك كثيرا من مبرراتي للتخلف عنهم.
قضينا هناك ثلاثة أيام لا أعمل إلا ما يوافق قناعتي الشخصية؛ فكنت محل تنكيت وتندر داخل جماعتي، وكان من بينهم رجل أخذ بيدي مساء يومنا الأخير، وقال لي: "انت يبوي واعر اعليك تستفاد من الخروج. حد ما يلتزم ابذي الأوامر ما يستفاد" فقلت له إنني كرهت العسكر منذ صغري، والسبب هو أنني سمعت أن من ينخرط فيهم يلتزم بأوامرهم، وأن ليس له قرار مهما يكن. فقال لي: "انت إجيك ألا اتعود واحد من السواح أتوف" فحاولت أن أبدي له بعض ملاحظاتي حول جماعة الدعوة والتبليغ فضاق ذرعا، فقلت: أنت من بدأ الحديث ولا بد أن تصغي إلي. وأضفت: جماعة الدعوة والتبليغ من الجماعات العاملة للإسلام، وجهدها في الدعوة إلى الله لا يُنكر، ولكنها -مثل كثير من الجماعات- تقع في أخطاء، وعليها ملاحظات، ويمكن إجمال الملاحظات بما يلي مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأخطاء تختلف في الجماعة نفسها بحسب البيئة والمجتمع الذي هي موجودة به؛ ففي المجتمعات التي يظهر فيها العلم والعلماء وينتشر مذهب أهل السنة والجماعة تقل أخطاؤهم إلى حد بعيد. وفي مجتمعات أخرى قد تزيد هذه الأخطاء. فمن أخطائهم عدم تبني عقيدة أهل السنة والجماعة، وذلك واضح في تعدد عقائد أفرادها؛ بل أظهر بعض قادتها عدم اهتمامهم بالعلم الشرعي في تأويلهم للآيات القرآنية ونقلهم لمعانيها على غير مراد الله تعالى. وم.ن ذلك تأويلهم لآيات الجهاد بأن المقصود بها الخروج للدعوة، وكذا تأويل الآيات التي فيها لفظ الخروج ومشتقاته، بالخروج في سبيل الله للدعوة.
جعلهم الترتيب الذي يحددونه في الخروج متعبَّداً به، فراحوا يستدلون بالآيات القرآنية ويجعلون المقصود منها ما يحددونه من أيام وأشهر.
ولم يقتصر الأمر على مجرد الترتيب؛ بل ظل بينهم شائعاً منتشراً مع تعدد البيئات وتغير البلدان واختلاف الأشخاص وقوعهم في بعض المخالفات الشرعية، من نحو جعلهم رجلاً منهم يدعو أثناء خروج الجماعة للدعوة إلى الله ويعلقون نجاحهم وفشلهم على صدق هذا الداعي والقبول منه.
انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم؛ وهذا لا يليق بمن يتصدى للدعوة إلى الله. .
أدخل الرجل يده في جيبه وأخذ سبحته وقال: أستغفر الله أنا لم ألتزم بالهدايات التي تقضي بعدم الجدال ، و الهدايات مصطلح يعني توصيات تقدم لكل خارج من أحد رجالات اهل المشورة ...

 

البراء ولد محمدن
Share

معلومات إضافية