ليس للبيع أو المبادلة

تكرر الحكومة الأردنية دائما أنها لاتملك عصا سحرية، ويعرف الناس ذلك وأكثر، وهو أن السياسات الإقتصادية ليست بيدها، لذلك ليس بإمكانها غير نشر التفاؤل بقرب الخروج من عنق الزجاجة مرة، وبقرب التعافي الإقتصادي مرة أخرى، وتريد ان يصدق الناس وعودها ويكذبوا أعينهم مفترضة أن الحالة الإقتصادية مسألة نفسية، وليست نتاج قرارات ووليدة سياسات، حتى أن الرئيس طالب قبل يومين أن ينظر الناس الى الجزء المليء من الكأس وليس الجزء الفارغ.

 ذلك صحيح لو كان هنالك بقي في الكأس شيء تلاحظه العين، لكن عندما يرى الناس أن القليل الذي كان هو في تناقص مستمر حتى أصبح قعر الكأس مكشوفا، فأي تفاؤل يبقى؟.
 

لو خلصت النية فالإصلاح ممكن وفي أي وقت، وليس محتاجا الى عصا سحرية ولا معجزات خارقة، بل توفر الإرادة والإخلاص ونظافة اليد، ولا بد أن يكون إقتصاديا – سياسيا معاً، والوصفة معروفة ومجربة، وترتكز على أربعة عناصر: الصناعة، والزراعة، والاهتمام بالفئات الفقيرة المنتجة، وجودة التعليم.
ونجحت بنقل ألمانيا واليابان فى الستينات من تحت الركام الى ناطحات السحاب، وهذا ما عملته دول شرق أسيا فى الثمانينيات، والهند فى التسعينيات، وهو ذاته ما عملته تركيا والبرازيل فى 2003..وهو ما يحدث الآن اثيوبيا ورواندا منذ سنوات، وقاربت ثماره على النضوج.
سأعرض تاليا تجربة البرازيل، والتي نشرها رئيسها الأسبق " لولا دي سيلفا"، رائد هذه التجربة في كتاب "الجوع صفر: ZERO HUNGER "، ولأهميته فقد كلفت منظمة الفاو الدولية د. محمد عبدالله الريح بترجمته الى العربية، وفيه يقول:
فى الثمانينات مرت البرازيل بأزمة اقتصادية طاحنة، فذهبت للاقتراض من صندوق النقد الدولى معتقدة إنه الحل لأزمتها الاقتصادية، وطبعاً طبقت حزمة الشروط المجحفة، مما أدى الى تسريح ملايين العمال وخفض أجور باقي العاملين، والغاء الدعم ..!!
وانهار الاقتصاد البرازيلي ووصل الأمر إلى تدخل دول أخرى في السياسات الداخلية للبرازيل، وفرض البنك الدولي على الدولة أن تضيف إلى دستورها مجموعة من المواد تسببت في اشتعال الأوضاع السياسية الداخلية ...
ورغم استجابة البرازيل لكل الشروط، تفاقمت الأزمة أكثر فأكثر، وأصبح 1% فقط من البرازيليين يحصلون على نصف الدخل القومي ..!!
وهبط ملايين المواطنين تحت خط الفقر، الأمر الذي دفع قادة البرازيل إلى الاقتراض من الصندوق مرة أخرى بواقع 5 مليارات دولار، معتقدين إنه الطريق للخروج من الأزمة ..!!
فتدهورت الامور أكثر، وتضاعف الدين العام تسعة أضعاف في خلال 12 سنة، حتى هدد صندوق النقد بإعلان إفلاس البرازيل إذا لم تسدد فوائد القروض، ورفض إقراضها أى مبلغ فى نهاية 2002، وأصبحت البرازيل الدولة الأكثر فسادا وطردا للمهاجرين، والأكبر فى معدل الجريمة وتعاطي المخدرات فى العالم.
حتى جاء عام 2003 وانتخب البرازيليين رئيسهم "لولا دا سيلفا" الذى ولد فقيرا، وعانى بنفسه من الجوع، وظلم الاعتقال.
كان تشخيص الواقع المأساوي واضحا في ذهنه، عرف أن أساس المشكلة كانت في إغراق البلد بديون البنك الدولي، فكان أن قال قولته الشهيرة: " لم ينجح أبدا صندوق النقد إلا فى تدمير البلدان، فالتقشف ليس أن أفقر الجميع بل هو أن تستغنى الدولة عن كثير من الرفاهيات لدعم الفقراء".
لذلك وضع بنداً في الموازنة العامة للدولة أسماه: "الإعانات الاجتماعية المباشرة" وقيمته 0.5% من الناتج القومي الإجمالي للدولة، ويصرف بصورة رواتب مالية مباشرة للأسر الفقيرة، بدلا من دعم المواد التموينية وهذا الدعم كان يصل الى 11 مليون أسرة تشمل 64 مليون برازيلى ...!!
ومول كل ذلك من رفع الضرائب على رجال الأعمال والأغنياء، والذين تقبلوا ذلك منه لأنه بالمقابل منحهم "تسهيلات" كبيرة في الاستثمار وآلية تشغيل وتسيير أعمالهم و"منح" الاراضي مجانا وتسهيل التراخيص
وإعطاء قروض بفوائد صغيرة ساعدتهم فى فتح أسواق جديدة، بالإضافة إلى أن الفقراء دخلهم سوف يرتفع، و"تزيد" عملية شراء منتجات رجال الاعمال "فتضاعف" حجم مبيعاتهم، لذلك لم يشعروا انها جباية.
بعد 3 سنين فقط عاد 2 مليون مهاجر برازيلي وجاء معاهم 1.5 مليون أجنبي للاستثمار والحياة في البرازيل،
وفى غضون أربع سنوات (مدة رئاسية واحدة) سدد كل مديونية صندوق النقد.
وكل ذلك بفضل نظافة يد وإخلاص "دا سيلفا" واعتمادا العناصر الإنتاجية الأربعة: الصناعة والزراعة والإنسان المنتج... وطبعا التعليم.
بعد انتهاء ولايتى حكمه فى 2011 (٨ سنوات) وبعد كل هذه "الإنجازات" الحقيقية، طلب منه الشعب أن يستمر و يعدل الدستور، فرفض قائلا: "البرازيل ستنجب مليون لولا .. ولكنها تملك دستورا واحدا".
و ترك الحكم بعد أن أصبحت البرازيل تصنع الطائرات والغواصات وتقرض البنك الدولي.
النهوض من التخلف ليس مستحيلا ... إنها إرادة وإدارة.

 

الدكتور هاشم غرايبة

معلومات إضافية