نبذة من حياة الشيخ مسكة ( فقرة من كتاب العمران )

ثم أن مسكه لم يبق من قبيلته من المكلفين إلا سبعة سابعهم بارك الله فيه ( بعد شر بب)، بعد كثرتهم وعمارتهم جدا، ومن كان هذا حاله لم يكن همه إلا المعاش، إن لم يختبل ويذهب عقله.ثم لما رجع بارك الله للأرض التي أمر بها، جعل يعمرها وكانت بلاده القبلة التي هي بلاد الترارزة وغيرهم من الزوايا المذكورة إلي الآن وهي التي مات فيها، أبوه أحمد بزيد عند حسي يقال له تمغرت ـ بتاْء مثناة فوقية، وميم وغين معجمة وراء مهملة وتاء فوقية مثناة .

ثم لما رجعوا جعلوا يعمرون البلاد التي أمرهم الولي بها، و كان الذى يلي سيـاسة ذلك أحمد مسكه لأنه لم يكن أكبر منه سنا الا المداح وحده وهو أعقلهم وأعلمهم في الفنون كلها وأتقاهم وأعلمهم بسياسة الدنيا حتى أن سياسته ورياسته غطتا علمه في الظاهر والباطن، ولم يكن في أهل زمانه أعلم منه بالفقه، والنحو واللغة، وعلم الحساب، والتوحيد، وسائر الفنون لعلمه في الظاهر والباطن واستقامته وورعه، أجازه شيخه، ابن ناصر بمقروءاته كلها ومسموعاته، ولفظه :

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم تسليما
الحمد لله الذي من صدقه وأسند إليه في جميع أحواله وصل، ومن انقطع إليه في كلياته وجزئياته اتصل، ومن تمسك بحبله المتين وأسلم وجهه إليه فقد اعتصم، ومن لاذ بغيره والتجأ إلى ما سواه فقد انقطع وانفصم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأعمان، الأفضلان على سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ذي المواهب اللدنية، والفضائل السنية، وعلى آله وصحبه حماة الدين وقامعي الطغاة والمعتدين وأتباعهم مدحضي حجج الغلاة الملحدين ومن تبعهم بشريطة الإحسان إلى يوم الدين.هذا وإن الأخ في الله والمحب لأجله ذا الأخلاق السنية، والشمائل السمية، أباالعباس أحمد مسكه بن بارك الله فيه، وفقنا الله وإياه لمعرفته، وأعاننا على ما كلفنا من خدمته لصدق نيته، وحسن طويته، طلب مني أن أجيزه بما صح لي تحمله، فأكبرت ذلك، وأعظمته إجلالاله، واستصغرت نفسي أن تكون أهلا له . فلم أزل في ذلك أقدم رجلا وأؤخر أخرى، وأمسك العنان باليمنى واليسرى فلما اشتد إلحاحه علي، وعظمت رغبته من ذلك فيما لدي أجبته، إبراما لعقد محبته، ووثوقا بصدق سريرته، وخالص طويته، لأفوز بخالص دعوته .
فأقول أجزت بجميع مقروءاتي، ومسموعاتي وما صح لي تحمله،من حديث وتفسير، السيد المذكور، كل ذلك بشرطه المعتبر عند أهله المقرر في محله وزيادة شرط الدعاء لي بدوام العافية، دنيا وأخرى، والصدق في العبودية، والقيام بحق الربوبية والإستقامة وحسن الخاتمة.

عن أشياخنا وأسانيدنا عنهم، المذكورة في فهارسهم، من أجلهم وأولاهم بالتقديم والدنا القطب القائم بالسنة الطاعن البدع بالأسنة إمام الطريقة الجامع بين الشريعة والحقيقة سيدي أبي عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي نفعنا الله ببركته وجعله رافلا في أثواب مرضاته.
عن شيخه الإمام سيدي محمد بن سعيد المرغني عن الحسني أبي محمد مولاي عبد الله بن علي ابن طاهرعن اشياخه عن الشيخ محمد نجم الدين الغيطي وهو عن جماعة أجلهم على الإطلاق شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وهو عن جماعة أجلهم خاتمة المحدثين شهاب الدين بن علي ين حجر الكتاني العسقلاني وهو بأسانيد مختلفة سردها في أول فتح الباري فلتراجع ثمة.وأوصي السيد المجاز بتقوى الله في السر والعلانية، والرجوع إلى الله في كل قاصية ودانية في السر والعلانية، واتباع السنة في الأقوال والأفعال والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار والرضى عن الله في الإقلال والإكثار وملازمة التوبة بالندم وقطع الإصرار، والمثابرة على الإستغفار، في توالي الأعصار وسائر الإقطار، وموالاة المومنين ،وملازمة الرحمة لهم، وتعليمهم وتعظيم العلم وأهله، وتعظيم حرمة الله وحرمة رسوله صلى الله عليه وسلم والأولياء والصالحين.والله تعالى يعيننا وإياه على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه .وكتب بذلك وقاله غرة جمادى الأولى سنة سبع عشرة ومائة وألف. أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ناصر بن عمر، كان الله له آمين الحمد لله بمثل ما سطر عرضه، سواء بسواء مثلا بمثل، وشهد به صنوه، محمد بن محمد بن ناصر." انتهى ما كتب له من الإجازة .
قال جامعه قوله أبا العباس ليس في أولاد والدنا وجدنا، ولد يقال له العباس حتى يكنى به لكن كل من كان اسمه أحمد يكنى أبا العباس إن لم يكن له ولد أصلا ومحمد بن ناصر والد شيخ جدنا مسكه هو الذي يقول فيه اليوسي قصيدته التي منها :
ابن ناصر نصر الإلــ * ــه به شريعة أحمد
وكان نظاما ونثارا، ومع إضاعة مآثره، فقد كان عالما تقيا بغير جدال ولا مراء، وجفاء وصالحا مكاشفا خاملا، من غير رعدة الضعفاء، وكان كريما من غير سفه ، ورشيدا من غير بخل وكان حليما عاقلا، من غير مكر ولا دهاء وكان رئيسا على من معه من غير جبروت ولا كبرياء.وكان أهل زمانه يضربون به المثل لمكارمه إلى الآن، فكانوا يقولون إذا فعل أحـــد مكرمة هذه لم يفعلها أحد بعد مسكه إلا أنت، وفي ذلك أقول أنا في أبيات قلتها في زيارة له سيأتي ذكرها في محلها إن شاء الله تعالى :
يا مسكة الخير الذي ضربت به أمثالها في الجود أهل السؤدد
إنا أتيناكم نزور لحاجــــة لابد منها ياكريم المحتـــد
ومن فتوته أنه لم يكن في حي رئيس إلا وهو صاحب مسكه، سواء كان عالما أو وليا أورئيسا في الدنيا، وما ذلك إلا لحلمه عنهم إن هم عليه جهلوا، وإعطائه لهم دنياه إن هم بخلوا. ومن أشهر أصحابه ودولته في العلم الظاهر، سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي والماحي الألفغي، وفي ذلك يقول سيدي عبدالله هذا بالشعر الحساني :
أنا ومسكه والماح الله لايفركـــــن
كان انتظر‘ للواح ثم إشير ابـــركن

وكان مسكه يعطي ماله في حقوقه كثيرا، ولاسيما لسيدي عبد الله بن محمد بن القاضي، ووقفت على ورقة بخط سيدي عبد الله هذا فيها :"تبليغ السلام إلى مسكه، أما بعد فابعث لي خصيين جيدين وناقتين، أوثلاث حلائب وما يليق من الزاد، وكذا وكذا، فإني أريد السفر للجهة الجوفية" "مع أن ذلك الزمن ليست فيه الإبل كثيرة عندهم بخلاف غيرها، وكان مسكه يعطي أكثر مما يسأل، ووهبه سيدي عبد الله قاموسا، وعوضه مسكه عنه عشرين بقرة لأنه يعطي ولا يأخذ جزاء ما أعطى .

وكان مسكه حين خروج العسكر في تك البلاد وأظنه سافر مع سيدي عبد الله وشنظورة ثم افترق معهما لما حضرروا بلاد السلطان لأنه لا همة له في الدخول بين الناس إنما هو فيما يعنيه فلما خرج العسكر بعث مسكه راكبا لأهله في تيرس ليتنحو عن طريق العسكر ففعلوا وأما يحي بن عثمان فطلع الرجال على رؤوس الجبال وتركوا الأموال للجيش ولم يتعرضوا له .وكان السلطان أتحف علي شنظورة بطبل مجعول في غرارة وإلى الآن واسم طبلهــــم ذو الغرارة وإن فنى الأول .واتحفه بثوب أبيض يلبسه و إلى الآن أيضا ولباس رئيس أولاد أحمد بن دمان أبيض سواء سراويله وقميصه وإن لبس أحد من قبيلتهم لباسا يشبهه قتلوه إذ لا يلبسه إلا من نازعهم في الملك .وهنا نكتة وهي أن العرب إذا تأمر منهم أمير صنعوا له عرشا مزخرفا بالياقوت والحرير وكل شيء حسن وفائدته والمطلوب منه أنه علامة على الملك خاص به هذا الملك دون غيره من قومه فمن يلبسه منهم قتل وليس المطلوب من أنه لباس أو فراش أجود من غيره في الدماء وغيره. وبهذا تعلم أن عرش الله لعظمته المطلوب منه أن هذا لا يكون إلا لمن هو أعز من غيره ولا ملك كملكه وليس المطلوب منه أن الله يجعله فراشا أو يلبسه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذا واضح ولاحاجة إلى التطويل .
وأما الناس اليوم فيعتبر عرش كل قوم بأشهر ما عندهم فمن ذلك أبناء أحمد بن دامان عرشهم هذا اللباس الأبيض .وكنت أسمع قبل هذا أن هذا اللباس الأبيض أصله من عوائد النصارى الذين هو خفير بينهم وبين المسلمين الذين يبيعون لهم العلك وأما عرش يحي بن عثمان فهو النخلة الكبيرة المسماة أماسينٍ إذ لا يدخل تحت ظلها زمن نضج التمر إلا رئيسهم .وبعض الناس عرشه جؤجؤ البقرة المذبوحة يبعث به من ذبح بقرة لرئيس حيه وهكذا. وإن أمسكه بعضهم عنه فمعناه أنه نازعه وهكذا .وأطنبت في هذا لأنه معين على العقيدة في العرش المنسوب لله تعالي .وإنما أطنبت في إستطراد خبر سيدي عبدالله بن محمد بن القاضي واعلي شنظورة تنبيها على أن مسكه لا يصحب إلارئيسا في الدنيا لإصلاح المعاش أوعالما لإقامة الأحكام أو وليا كاملا لانقاذ النفس من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة وهكذا فليكن الفتى :
ولاتصحب الأردي فتردي مع الردي
وقلت أنا في وصف هذه الأصناف الثلاثة :

إن الملوك ثلاثة ملك بـه عيش الأنام على الدوام يقـوم
ومليك أحكام يبين حكم ما لم تعلموا مما يحل ويحــرم
ومليك سر لاجماد وضده الا وتحت يديه وهو يقســم
فلربما اجتمع الثلاث لواحد كمحمد صلي عليه الأكــرم
وهو عمر بن عبد العزيز :
ثم الدين يلونه خلفـــاؤه وبها قليل بعدهم من يوسم
والغير أتباع الثلاثة ذاك في ميزان ذاوكذاك ذ الك فاعلمـوا
والذي يظهر لي أن الحسن بن علي وهو القطب بعد أبيه لأنه تمم الخلافة بستة أشهر.وأما معاوية فقد إجتمع فيه الملك والعلم لقوله صلي الله عليه و سلم {ما يليني منك} فقال بطني أي الولي يارسول الله صلى الله عليك وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ملأها الله علما وحلما} وأنت تعلم أن العلم هنا لم يخص بالظاهر دون الباطن لكن أمر الخلافة مشهور .ولم يدر عندي بعد الحسن القطب على القطع أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن مائة ألف وعشرين ألفا وأربعة آلاف من الصحابة ولم أدر أيهم القطب بعد أهل الخلافة .
ومن الذين صحبهم أحمد مسكه جدنا من أهل العلم الظاهر القاضي بن اعلي امم بميمن السباعي وكان من علماء الظاهر وأهل الخشية ولما لقي مسكه في بلاد الجوفية إذا مسكة لايبارى في العلوم و أحرى النحو وطلب منه القاضي أن يبعث معه أبناءه ليعلمهم النحو وأعطاه الإتقان في علوم القرآن .فقال له مسكه إبعث بالكتاب إلي أخي عبدالله وابعث له بنيك يعلمهم النحو فإنه خبير به وكذلك كان من أهل الأسرار وكان مسكه يؤثر إخوته كثيرا بما فيه لهم نفع فأجابه القاضي إلي ذلك وكتب مسكه إلى عبد الله بهذه الأبيات فى أول ورقة الإتقان وإلى الآن وأنا أقرأه فيه : إلى أخينا عبيد الله مسألــــة تذكر الخل خلا حبه وجبا
قد خصك القاضي بالإتقان مرتجيا الاتقان منك بنو علاته الكتبا

وكان من عقل مسكه ومعرفته بالأحكام الشرعية أن القاضى هذا استفتاه فى أمر وقع بينه وبين زوجه وأظنه فى سفره الذى بعث فيه بالكتاب وأبنائه إلى عبد الله فقال له مسكه انتظرنى حتى أرجع لأهلى فأنظر فى كتبى فإنها ليست معى هنا .وكان من عادة القاضى هذا أنه إذا رفع يده عن طعام لم يرجع إليه بوجه ما.فلما رجع مسكه لأهله أتاه القاضى ليفتيه فيما سأله عنه فصنع له طعاما فأكل منه القاضى ماشاء ثم رجع الباقى لمسكة فرجعه مسكه للقاضى أيضا وقال له أنت تعلم أنى لم أرجع لطعام رفعت يدى عنه وترجعه لى فقال له مسكه ذلك حكم زوجك يعنى أنها حرمت عليه بحيث لا رجوع له فحكمها حكم هذا الطعام الذى حرمت على نفسك .فسألت والدى رضي الله عن الجميع عن الذى منعه من الافتاء له أول وهلة فقال لى فيه شيئا لم أضبطه ومنه أنه قال إن أفتاه فى غير هذا الموضع بهذا لم يقنع بذلك أو كلام ذلك معناه .
ومن علم مسكة الخير أنه كان يدرس مع سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي بمدينة فاس ثم لما مر عليهما جل عام قال له ابن القاضي امض بنا عن هذه البلاد فلا نموت فإنا أهل بادية وإن التقى العام علينا هنا نموت فامتنع مسكه عن المسير لتحرير علوم لم تكن في بلاده ومشى ابن محمد بن القاضي . ولما مشى مسكه مر بكثير من المدن والمدارس وقال إنه لم يزدد في مروره ذلك بكلمة إلاأنه مر بمدرسة أظنها في تافلالت فإذا فيها عالم يقال له دكداك بدال ثم كاف معقودة ثم دال ثم كاف معقودة عليه مدرسة عظيمة فوجده يقول كذب عبد الباقي أما الخراشي فرجل صالح لا أقدر أن أكذبه . وكان دكداك هذا يحفظ المتن والشروح ولما استمع مسكه له سمعه يقول إن من معاني الواو واو الثمانية فازداد به مسكة مع أنه قال إنهم لو أنصفوني لجعلوني على مدرسة النحو وكانت له نظومات وأشياء في النحو وفي غيره من كل فن .
قال جامعه فتح الله عليه محمد عبد الله بن البخاري حماهم الله تحت سرادقات عزه واو الثمانية هذا الفرق بينه وبين غيره عسر وأبين لك بعضا من ذلك ذكره الثعالبي فقال والواو في قوله وثامنهم كلبهم طريق النحاة فيها واو عطف دخلت في آخر الكلام إخبارا عن عددهم لتفصيل أمرهم وتدل على أن ما بعدها نهاية ماقبلها ولو سقطت لصلح الكلام .وتقول فرقة منهم ابن خالويه هي واو الثمانية وذكر الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة فتدخل الواو في الثمانية وهي في القرآن في قوله= والناهون عن المنكر وفي قوله وفتحت أبوابها وأما قوله وأبكارا وثمانية أيام حسوما فليست بواو الثمانية بل هي لازمة إذ لا يستغنى الكلام عنها وكان بيدي الثعالبي بالمد المالكي والثعلبي الشافعي ولم أدر من أيهما نقلت ولعله المالكي لأنه يروي عن الثعلبي الشافعي .ولما أتى مسكه لأهله مكث فيهم زمنا وقال إنه أتى باثني عشر فنا من تلك البلاد لم ير لها ذكرا في بلاد القبله ولم ير أحدا يسأل عن فن منها يوما واحدا فهذا ما رويت عن والدي رضي الله عن الجميع .والغالب في ظني أنه قال لي أنه كان في مدرسة فاس وقال لي إنسان من أهل بلادنا أن مسكه لم يجاوز تافلالت وأنه لم يدخل فاسا والله تعالى أعلم أي ذلك .ومن همته وطلبه للعلم أنه كان مع المختار بن ألفغ موسى العالم الشهير فسمعا أن العتروسي العالم الشهير في الظاهر والباطن أتى لبلد قريب منهم فقال مسكه للمختار امض بنا إليه ليفيدنا فقال المختار لا أظنه بشيء ليس عندنا فأبى مسكه إلا المسير إليه .
فلما أتياه وانتهى سلامهما عليه ناولهما طعاما فقالا له إنا صيام فقال تطوعا فقال لهما كوالد وشيخ وإن لم يحلفا فقالا له لست بشيخ لنا ولم نعرفك قبل الآن فقال لهما إن من كان أهلا لذلك يكون شيخا وإن لم تعرفه قبل ذلك فأفادهما بهذه المسألة وكذلك أراد مسكه .والعتروسي هذا هو أول من حل إشكال ثلاث مسائل أو أربع من الشيخ خليل في هذه البلاد نسيتها وكانت عندي في ورقة بخط أحمد مسكه عمي أو أحمد مسكه هذا جدي فضلت علي.وأحمد مسكه هذا أعلم بكل فن من كثير من أهل عصره في التأليف لأن من العلماء من حرم التأليف إلا على من أحاط بكل فن لأن الفنون مرتبط بعضها ببعض وذلك حق وظاهر لأن من لم يعرف لغة الفن كيف يؤلف فيه أصلا وكذلك من لم يعرف أحكامه وكذلك من لم يعرف إعرابه.لكن الناس كل عام ترذل أجساما وأعراضا ودينا ومروءة وفهما وعلما‍‍ ولكن بحق أن يقال في ذلك .
وإن رأينا زمنا ليس به عدل أقمنا حكمنا بالأشبه
فان أمسكت الناس عن التأليف حتى تحيط بكل فن من يصنع العلم وحدثني من أثق به أن سيدي عبد الله بن الفاضل قال إن البدوي يؤدب إذ ألف تأليفه المشهور في الأنساب الذي انتفع به الناس اليوم الذي أوله :
حمدا لمن رفع صيت العرب وخصهم بين الأنام بالنبي
فالأنتفاع بكثير من التآليف اليوم أكثر أجرا عندي على صاحبه من إثمه لارتكابه له قبل أن يحيط بكل فن إن كان مشبها وإلا فإثمه أكثرمن أجره .وأما سعي أحمد مسكه في الدنيا فمن أصعبه أنه لم يرجع لانسان كلمة سوء قالها فيه ولم يقتص من أحد فعل له سوء طول عمره. وكان معا صرا له ر جل من الزوايا لم يقل له أحد كلمة سوء ولم يفعل له فعلا إلا اقتص منه بنفسه أو بأحد المتغلبين فصار علْى ذلك الرجل مغارم كثيرة تحملها للإقتصاص من الناس ولم تكثر بنوه ولا دنياه لذلك ولم يكن من أهل العلم . فلذلك صارت الناس تضرب المثل الذي تقدم ذكره لمسكه فلذلك فلت فيه القصيدة التي تقدم ذكرها ببيتين منها .وسببها علي أني كنت في بعض من الناس على مرحلة من قبره عند الحي المسمى بالنصرى فمر بنا الشيخ محمد بن سيدي محمد في أهله يطلبون السحاب في رحلة الصيف فزرته فذكر لي بعضا من خبر مسكه وأظنه قال لي إنه مازاره أحد لحاجة إلا قضاها الله له وهذا كشف منه لما سيأتي.

ثم قال لي هل تعلم معنى الأضاة التي هي قريبة من قبره المسماة إيديكفوش بهمز ثم ياء ساكن ثم دال مهمل ثم كاف معقودة ثم فاء أخت قاف ثم واو ثم شين معجم ساكن فقلت له لا أعرف فقال لي هي بالعجمية معناه ذات اليد التي بها بلل سميت بذلك لجود مسكة كأنه لا يزوره أحد إلا قضيت حاجته .ثم لما مر علي قرب شهرين ثم وأمطرت أنا ومن معي ثم فوق قدر الحاجة ثم مرضت مرضا شديدا من حمى أخذتني وأيقنت بالموت وبالخوف أنا ومن معي أيقن بموتي فقلت لهم يحملوني إلى قبره لأزوره لعل الله يشفيني ببركته .فحملوني إليه ولم نحمل معنا ماء بل حملنا شيئا من لبن البقر يشرب بدون ماء وكنت لشدة الحر والحمى قلما تمر علي ساعة أو ساعتان إلا شربت أو كدت أفارق الدنيا والذي منعنا من حمل الماء من الأضاة التي عندنا أن بعض الناس قال لنا ان الأضاة المذكورة عنده فيها الماء.فلما أتينا إذ ا بالأضاة ليس فيها شيء والحسي لا ينال إلا برشاء وليس أحد عنده والنهار من أشد أيام العمود حرا فجزعنا من ذلك جزعا كبيرا وجمد اللبن في السقاء حتى صار كالإط فتوكلنا على الله وقلنا تحت ظل شجرة قريبة من المقبرة ظليلة فصنعت القصيدة.
ثم زرناه ومشينا وأتينا أهلنا بعد العصر وعافانا الله والحمد لله والقصيدة أولها :
ا سقي الإله مع الأصائل والغد بالرحم أجداثا لدى ذات اليد
قوله ذات اليد هي الأضاة التي كنا نذكر خبرها والأجداث المشهور منهم مسكه وابنه المتقدم ذكره كأنهما في قبر واحد وعندهما حجركتب فيه اسماهما ثم العالم الشهير سيدي أحمد بن سيدي عبد الله بن الفاضل الذي يرد على شيخنا محمد المجيدري رضي الله عن الجميع ثم أحمد بن عبد الله بن بارك الله بن أبي زيد :
فسقى مبوأ مسكه ورفاقـــــه من صيت مهما يعبق يزدد
يا مسكة الخير الذي ضربت بــه أمثالها في الجود أهل السؤدد
إنا أتيناكم نزور لحاجــــــة لابد منها يا كريم المحتـد
جئنا لحاجات من أهونها الضنــى ولقد سئمنا من سؤال العود
والصالحون هم الغياث لذي الورى وبخيبة من أمهم لم يـردد
وهي نحو ستة عشر بيتا ثم لما فرغت منها صليت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نحو أربعة عشر بيتا وهي التي تقدم ذكرها في خبر سيدنا ووسيلتنا إلى الله تعالى الشيخ محمد بن سيدي محمد . ثم بعد ذلك مر بنا الشيخ محمد راجعا في ظعنه لبلادنا التي نسكن كثيرا ثم جعلت الأبيات التي قلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع الأبيات التي قلت على الشيخ أستشفع به فيها لأن الروي واحد والبحر واحد .مع أن الأبيات التي على الشيخ محمد سبقتها هذه الأبيات التي على مسكه والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقرب سنتين .ولكن ما حملني على جعلها مع أبيات الشيخ محمد بن سيدي محمد إلا شدة اعتقادي فيه الذي ورثته من حب والدي له وجعلنا له شيخا بعده .كنت لا أعتقد في غير أبي وغيره وإن كان مسكه جدي عالما وصالحا والقصيدة المقولة على النبي صلى الله عليه وسلم أولها :
ثم الصلاة على النبي وآله يارب صل على النبي محمد
أخرج من صلاتي مالكـا تتلوه ألف ثم ما لم يعــدد
قوله : يا بير إبراهيم لازالت على تواربك النعمى تروح وتغتدي
يعني به الحسي الذي عند قبر مسكه ومن معه واسمه تمبراهيم بباء فوقية ثم نون ثم ياء موحدة ثم راء مهملة ثم ألف ثم هاء ثم ياء تحتية مثناة ثم ميم فعربته أنا وهذا الحسي عيلم جدا أي كثير الماء وقيل لي إن ماءه لا يجاوز ركبة الواقف فيه لأعلى وإن جم جدا وإن لم يكن له عهد بالناس ولا يجاوزها لأسفل وإن تزف جدا و إلا أدري أحق أم لا.
لكن قال لي والدي إن آل بارك الله أزمان حفرهم له أتاه خيام منهم بكثير من البقر صار في بعضه الموت من شدة العطش فنصبوا عليه أعمدة كل خشبة من تلك الأعمدة لها فرعان مثقوبان وهذه الخشبة هي التي يجعل فيها المحور. والمحور عود صلب يدخل أحد رأسيه في الخشبة ثم تدخل البكرة في الرأس الآخر منه حتى تكون وسطه ثم يدخل رأسه الآخر في ثقب الخشبة الأخرى.
والبكرة قدر فهر غليظ من خشب تجعل فيه ثلاث طرق في الغالب ويجعل الرشاء على إحدى تلك الطرق التي في البكرة ويعقد رأسه في الدلو ورأسه الآخر في يد إنسان أومعقود في دابة ما فيسهل ذلك جذب الدلو المملوء من الماء وقيل إن هذا بعض من الهندسة .فنصب من هذا الخشب اثنتي عشر خشبة وكل خشبة عليها دلوان وساقيتان فالمجموع أربع وعشرون دلوا وجعلوا على فم البئر كثيرا من الجداول. والجدول الحوض الذي ليس من جلود و عند هذه العامة هو التكده بتاء مكسور وكاف معقود ودال مهمل فصاروا يصبون الماء في الجداول فضاقت الجداول على الماء لكثرة الماء والدلاء وجعل هلاك البقر يتزايد عطشا .فقال لهم الحاج بن مسكه لا تعتبروا الجداول ولكن أكثروا صب الماء في التراب حتى تكون منه أضاة فيشرب أقصى المال الذي لايقرب الجداول ففعلوا فأغاث الله لهم مالهم بذلك. وعندي أن الجداول التي بفعل أهل الأسرار لأمورهم سميت بهذا .
قال زهير : يحبوا لي جدول تحبو ضفادعه
ومثل هذه الحكاية ربما تنفع من تحير في أمره وإن كانت تافهة ومقتضى الحديث أن هذا النوع أجره عظيم لأن قوما من العرب كادوا أن يموتوا عطشا وكانوا واردين ماء فضلوا عنه حتى تذكروا قول امرئ القيس بن حجر :
تذكرت العين التي عند ضــارح يفيء عليها الظل عرمدها الطامي
فاهتدوا وشربوا فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ينفع امرأ القيس إنقاذه لهم بقوله أم لا فقال لوكان مسلما أو كما قال .فعلم من هذا أن ما يفعل المسلم أو يقول مما ينتفع به له أجره وإن ظن أن لا أجر له وكذلك كرم حاتم لو كان مسلما وقيل إنه يخفف عنه بسببه بعض العذاب .ومن رئاسة والدنا أحمد مسكه في الدنيا وقلة ضعفه في أموره وإن كان خاملا ومسكينا في رأي العين حتى أنه بنفسه يقول إن مسكه ترخيم مسكين يعني بذلك نفسه تواضعا منه والمسكين في الدنيا من سكنت يده عن التصرف وهو الذي ليس عنده من المال ولا التدبير ما ينفع به نفسه . وهذا ليس وصفه هو إذ عنده كثير من المال وعنده من الرئاسة في الدين والدنيا والجاه ما يغني عن ذوات المال واكتسابها وعنده من المال ما دوخ به البلاد مع تدبيره من غير جهاد حتى تأمر من غير سلطان وساد . وإنما يعني المسكنة التي طلب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله احشرني في زمرة المساكين .
إن جده أحمد بزيد لا ولد له غير جدنا بارك الله وكان له مال كثير من العبيد وغيرهم وكان بينه وبين أحد الزوايا المشهورين أمة ربعها أو أقل للزاوي وغير ذلك لآل بارك الله فجاء من دون ذلك حروب شرببه و غيرها من الزمن فكثر نسل الأمة حتى بلغ الثلاثين . فلما جاء باركا لله وأبناؤه من الغربة جاء أحمد مسكه يريد نصيبه من بعدما توفي أحمد بازيد وكبر بارك الله وصار الأمر بيد أحمد مسكه فمنعه الزاوي فأبى أحمد مسكه إلا أن يعطوه ماله أو يمشوا معه إلى قاض وكان رام مداراتهم بشيء من العبيد فامتنعوا فقالوا له نأتيك إن شاء الله بسربة ونسير معك إلى حاكم يحكم بيننا .وبارك الله يومئذ بيت واحد أو حكم ذلك فأتوهم بسربة من أمثل قومهم لهم هيئة لا يظنون أن أحدا يغلبهم فأكرمهم أحمد مسكه من بعد ما سلم عليهم وكان أهله أيقنوا أنهم يغلبونهم .
فجاءهم أيضا فكلمهم ثم جاء لأهله فقال لهم إن القوم أحدهم يريد من يهبه شيئا وسأعطيه له وأحدهم لا حاجة له غير النظر فيما يقع بيننا وبين قومه وأحدهم له أسنان حسنة يريد أن ينظر الناس إلى حسنها ولا حاجة له غير ذلك وأحدهم هو المتهيئ لنزاعنا وخصامنا وأرجو الله أن يعينني عليه فكان الأمر كذلك . ثم سار معهم وأخذ الكتاب الذى فيه الحكم فكلما جاءوا قاض قال لهم إني أريد أن القى هذا القاضي فإن شئتم فاسبقوا في لقائه وان شئتم أسبق أنا .فإذا لقي هو القاضى قال له إني أعطيك رشوة على أن تغلبني بشرط أن تريني الحكم الذى غلبتني به أو غلبتهم فإن الحكم في الكتاب الذى في يدي وليس أحد أعلم به مني ولا أقنع الا بالحق . فمروا بكثير من القضاة ولم يقدر أحدا أن يحكم بينهم حتى أتوا أبن الأعمش وقد نسيت هل هو العلوي شارح إضاءة الدجنه أو هو الجكني الذى أدركت أنا نجله أو نجل ابنه الشهير العالم الرئيس محمد المختار الذى بنى القصر المسمى بتيندوف المتوفي عام خمس وثمانين ومئتين وألف . ومحمد المختار هذا كان دولة في العلم للشيخ الصالح والأخ الناصح الشيخ محمد بن محمد سالم كما أخبرني بذلك.ولا تظن أن منازعة أحمد مسكه لهؤلاء الناس من شح ولا حب الدنيا وإنما داراهم وامتنعوا وترك مثل هذا من المال الجزيل لا لله و لا لأمر من الأمور سفه والسفه حرام. هذا الخبر رويته عن الأجلاء الأقدمين .ومن نظر جدنا أحمد مسكه في العواقب أنه أراد سفرا بعيدا مع قومه وجاءتهم امرأة تريد السفر معهم لتلك الجهة ففكر في أمرها فإذا هي لا محرم لها والسفر نحو شهر أو أكثر فأحسن إليها بأشياء أعطاها لها وقال لها ارجعى من قريب لئلا يضر بك السفر .فعاتبه قومه على ذلك وأظنهم عاتبوه على الذي أعطاها وأن مؤنتها في السفر أقل من ذلك فقال لهم إنها امرأة والسفر بعيد إن عطشت فضحتكم وإن جاعت فضحتكم وإن عريت فضحتكم وإن رجلت فضحتكم والسفر البعيد مظنة هذا كله .
قال جامعه فتح الله له لعل أحدا يستنقص عليه إرجاعه لهذه المرأة من أهل زماننا هذا ثم إن سارت معه إمرأة في مثل هذا يرجعها على شح ولم يحسن إليها ويمنيها بنيل مناها إن سارت معه ثم بعد يوم أو يومين يتركها للضيعة حتى تعلق بمن ليس لها أهلا لذلك .ومن نظره في العواقب أنه هو وإخوته لما أرادوا تعمير هذه البلاد والسكنى فيها التي أمرهم الولي المتقدم بها كانوا أهل بيت واحد قليلين ومعهم أجدادا رعاتهم الذين معنا اليوم وهم قليل بالنسبة لهم اليوم .فأرادوا أن يختبروا من معهم من الناس فقال لهم أحمد مسكة كل من وجدتم فيه خصلة واحدة فاجعلوه معكم واصبروا عليه وإن كانت أفعاله الأخرى فيها ضرر . فما زالوا يفعلون ذلك حتى اختبروا إنسانا تركت تعيينه فإذا هو لم تكن فيه فائدة يصبر عليه بها وهو رجل صحيح لا علة له فقال لهم اختبروه هو حتى لا تبق بقية فقالوا له ليس فيه إلا أنه إن أرسلته لأمر بعيد يعدو شديدا لا يتراخى حتى يأتيك به أو يأتيك بخبره فقال لهم اجعلوه منكم وأصبروا عليه لهذه الفائدة .
ومن تدبيره ونظره في العواقب أنه هو وإخوته لما جعلوا يعمرون هذه البلاد السائبة التي لا سلطان فيها وهي بين الترارزة والبراكنه ومن تبعهم على جهة القبله وبين يحي بن عثمان وإدوعيش وبني ناصر ومن تبعهم من جهة الشرق وبين بني دليم وتكنه وأولاد سنان من اصكارنه وأولاد الملات من جهة الجوف ومن والاهم .علم أن من معه من الرعاة الذين لا يذبون عن أنفسهم بسلاح ولا بصلاح لا تمكن إقامتهم في تلك البلاد إلا بمغرم للظلمة من بني حسان فجعل مغرما خفيفا على لكويدسات شاة أو شياها للعويسيات وشاة كذلك لاكميرات من قبائل يحيى بن عثمان . وجعل شاة للدميسات من بني السباع ويليها منهم رؤساؤهم وهم آل الشيخ المختار وجعل شاة لأولاد سدوم من بني ادليم ، وهؤلاْ الذين ذكرت لا ينفع في ظلمهم ذلك الزمن إلا لطف الله والضفنطى بالدعاْء المستجاب وشبه ذلك .
ووقعت حكاية بين مسكة وأبي الدروات بدال مهمل مشوب بجيم وراء مهمل ساكن وواو بعده ألف وتاء ساكن وهو من بني سدوم وهو أظلمهم ذلك الزمن .فجاء إلى مسكه فهدده ليعطيه شيئا فلم أدر ما قال له مسكه ثم قال له حرق الإله أمك هبني بقرة اذبحها فوهبه بقرة فقالها له مرة أخرى فوهبه بقرة أخرى وقال له مسكه كلما سببتني وهبتك بقرة تذبحها فصارت مثلا .وكان مسكه قد بني له هو وقومه فروة أمام البيوت فبينما هم بهذه الحال أرسلت عليهم قوم من الترارزه فقتلوهم شر تقتيل إلا صاحب القضية مع مسكه فقد رويت عن الثقاة أنهم وجدوه ميتا وليس به أثر جرح من آلة ما من سكين ولا رصاص ولكن ادعوا بأنهم وجدوا به آثار سياط الملائكة والله أعلم بالحق في ذلك .فمن ثم ذلت له بنو سدوم وأذعنوا وأرضوه وقالوا له نجعل لك على أنفسنا مغرما من الإبل فقال لهم اجعلوها لي شاة عظيمة على كل مكلف لئلا تشق عليكم فتهبوها لي غائبين . وعند بيوتكم وعند غيرها وإلى اليوم وهي متوارثة لنا من عندهم وكأنهم لهم خاصية قرب ومودة عن غيرهم .وأما أجلاء بني دليم فجعلوا لأنفسهم له مغرما جذعا من الإبل وغيرها ووهب بعض ذلك لبعض إخوته وجعلوا زكاتهم له .وإهلاكه للظلمة هذا اكثر من أن يحصى وكان والدى رضي الله عنه وعن الجميع يقول لي إن بعض الأولياء يفضل مسكه على أبيه بارك الله في الكشف وكلاهما ذو كشف .
ومن نظره في العواقب وتدبيره وخبرته لإرتكاب أخف الضررين أنه لما رام السكن في هذه البلاد بعد رجوعه هو وأبوه وإخوته من غربتهم جعل ينظر أي البلاد أمكن . فأتى لبعض الزوايا التي في القبلة فسأل أهل المصلى عن حالهم وحال بلادهم فقالوا له جل معاشنا الزرع ولا ينال بدون عشرين مرحلة لبعده والأتافه من الفواكه كالثمر المسمى بآزبهمز ممدود وزاء ساكن وغيره من الفواكه وآباره لاينال ماء أدناها دون عشرين قامة مع أن الآلة التي ينال بها الماء عسر أمرها ومن عسره أن الدلو يدبغ حتى يلين جدا والرشاء يدبغ أيضا وظلمتها كثيرة جدا وبالغوا له في إفسادهم للأشياء وإهانتهم لهم إلى غير ذلك .فقال لهم أما الزرع فقريب سفره وتكفي منه هذه الفواكه التي تنال بغير ثمن وأما الآبار فهي قصيرة بالنسبة لغيرها وأما الدلو فإنا لاندبغه إلا بنفس واحد أو نفسين وذلك أصلح لجذبه للماء وأما الرشاء فلا ندبغه أصلا وذلك أقوى له وأصلح فخفف على المسلمين شأنهما .وأما الظلمة فسألهم عنهم هل يغيرون على السرح أم ينزلون عند البيوت ويطلبون المداراة فقالوا له ينزلون ويطلبون فقال لهم هؤلاء أصدقاء ثقيلون .فلما قام عن المصلى وأهله التفت رئيس الحي إلى قومه وقال لهم هذا الفتي بتصغير إن سكن معكم في هذه البلاد يتغلب عليها وينزعها منكم لإعجابه بعقله .وكان من يوم صام وهو كاف أباه وإخوته من أمور الدنيا مالم يكن عينيا ومن أمور الآخرة ككونه هو الذي عليه مدرسة الفقه والنحو والتوحيد وكل العلوم وغير ذلك وكان لا يتزوج أحد من إخوته إلا إذا كان هو الفاعل لذلك فضلا عن سربة في أمر أو حفر بئر أوغير ذلك .وهذا وإن كان ينكره بعض الناس اليوم فليس ينكر في زمنه إلى زمان طويل بعد ذلك .فلما توفي وكان الفلالي وأخوه الحاج صغيرين وأعمامهم أهل خيام وأولاد تفاوض إخوته في أمره وعلى من تجعل العمامة ومن يتولى أمر الرئاسة .فاجتمعوا على أن من يستحق ذلك أبناؤه وإن كانوا صغارا فجعلوا الفلالي هو الذي يلي أمر ذلك لأنه الكبير ثم قالوا الخصال التي كان مسكه يفعل فرقوا فعلها بينكم حتى يكبر بنوه جدا .فكان عبد الله هو الذي يلي مدرسة النحو وكان مولود هوالذي يلي مدرسة الفقه وكان الأمين ممن يتولى شأن السربة .مع أن أبناءه مع صغرهم ذكر من أمرهم ما ذكر وكل واحد من إخوته تولى خصلة من خصاله وأمرا من أموره حتى صار لكل أتباع وأصلحوا أمرهم وصلحت دولتهم واستقامت .وكان بعض الناس يحاجي بعضا فيقول احاجيك ما ميراث شارك فيه الإخوة الأبناء يعني هذه الأمور التي كان مسكه قائما بها دون إخوته.

 

فقرة من كتاب العمران للعلامة محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي

معلومات إضافية