اهل بدر عند الشيخ محمد المام

اهتم الشيخ محمد المامي بن البخاري بأهل بدر، فتعددت أنظامه لأسمائهم وشروحه على تلك الأنظام، ونالت أعماله حولهم إعجاب أهل العلم فطفقوا يقتنونها ويحفظونها ويعلقون عليها شرحا وتدارسا. ويعتبر نظمه الكبير لهم "وسيلة السعادة" أبرز أعماله البدرية، فقد جمع فيه في خمسمائة بيت ـ دون دعاء الختم ـ كل من قيل بشهوده بدرا، متحدثا عن "الآباء والقبائل صريحة أو غيرها، ومعرفة الشهداء البدريين وبعض سائر الشهداء،

وبعض أهل المشاهد، وبعض كبار الصحابة، وبعض فضلائهم، وبعض من اختلف في حضوره منهم، وبعض الرواة المخالفين فيه، وبعض أهل العقبات الثلاث ذات الستة وذات الاثني عشر وذات السبعين، وبعض أهل الهجر الثلاث منهم، وبعض الوفيات، ويزيد عليه أيضا في عددهم تمام خمسمائة أو نحو ذلك" .

ولنفاسة نظم الشيخ وبركته اعتنى به العلماء شرحا وتحقيقا واستنساخا، يدل على ذلك انتشار شرحه له في حياته، ففي المعهد الموريتاني للبحث العلمي نسخة من ذلك الشرح كتبت في حياة المؤلف، نقلها المختار بن محمد لشيخه العلامة الأفظل بن عبد الودود بن الحاج المختار الجكني، بتاريخ: يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الثاني سنة أربع وستين ومائتين وألف.
ومن أهم الأعمال التي قيم بها حول هذا النظم شرح العلامة محمد محمود بن أحمذو بن زياد الديماني)ت1343هـ( المسمى بـ "هالة البدر على أهل بدر"، وشرح العلامة زين العابدين بن اجمد اليدالي(ت1358هـ) المسمى بـ "جليلة الإفادة في شرح وسيلة السعادة". كما قام بتحقيق شرح المؤلف نفسه على هذا النظم الشيخ محمد يحيى بن سيدي أحمد.
ومن أبيات هذا النظم التي تعاورتها الأفهام، وتوقف عندها شراح النظم ومدرسوه، قول الشيخ:
وعد حمزة بن عبد المطلب == الهاشمي عند بعض من جلب
فالمتاح من المصادر ليس فيه من لم يذكر حمزة في حضور بدر، بل هو من السبعة عشر الذين روى البخاري شهودهم بدرا، وظاهر هذه النسخة المتداولة من نظم أهل بدر الكبير أن هناك من لم يذكره أو نفى حضوره. وقد عده هو نفسه في نظمه الصغير لأهل بدر، حيث يقول:
بباء أوس وإياس حاطب == وجابر وحمزة الكواكب
وهذه أبرز الفهومات التي رأيت في هذا البيت:
ـ الشيخ محمد الخضر بن حبيب الباركي: رأيته في رائيته التي يلغز فيها، يقول:
وحمزة هل جا أنه ليس بالبدري؟
وهو ما يمكن أن يكون إشارة إلى ما يريد الشيخ في بيته، وفيه دلالة على أن المسألة كانت تبحث عندهم.
وقد جاء في جواب الشيخ بلاه لتلك الألغاز:
وحمزة بدري ومن قال غير ذا == فلا يتلقى بالقبول ولا النصر
وربما قصد الشيخ محمد الخضر حمزة بن الحمير، شأن أهل الألغاز!
يقول مجيب الألغاز الشيخ بلاهي:
فهذي جوابات فإن تك غيرها == نحوت فمرعى اللغز متسع الوكر
ـ الشيخ زين بن اجمد اليدالي: توقف في هذا البيت في شرحه: (وقول الناظم: "عند بعض من جلب"، لعله "عند كل من جلب"، لأني لم أر من قال بعدم شهود حمزة بدرا رضي الله عنه وأرضاه) .
ـ الشيخ محمد بن أحمد مسكه الباركي: ذهب في ترجمته للشيخ محمد المامي إلى أن أسلوب الشيخ في هذا البيت من إغراباته، فهو يشير إلى الخلاف في ضبط المطلب لا حضور حمزة لبدر. مع توجيهات أخرى. يقول: (وهذا هو الذي قصد الشيخ هنا، أي أن المطلب بفتح اللام موجود "عند بعض من جلب" أي أتى بالعلوم) .
ـ الشيخ محمد يحيى بن سيدي أحمد المجلسي: أثبت البيت في تحقيقه الذي نشره المعهد الموريتاني للبحث العلمي، بصيغة "كل من جلب". وقال في الهامش: (وما أثبتناه من "هـ" وهو الصواب، إذ لا خلاف في شهوده بدرا، كما أنه لا خلاف في استشهاده بأحد) . والنسخة هـ بخط الشيخ محمد يحيى بن سيدي أحمد محقق شرح الشيخ، كما ذكر في مقدمته.
ـ الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف الأبهمي: أفادني أن والده نبهه وهو صغير إلى أن النسخة الصحيحة في البيت المذكور هي:
وعد حمزة بن عبد المطلب == الهاشميْ. وعند بعض من جلب
ابن الحمير من اهل بدر == حمزة متروك ابن عبد البر
وهي رواية مفيدة وتساعد في حل الإشكال، لولا أن النظم والشرح موجودين بخط المؤلف، وليس فيهما إثبات الواو! ولولا أن الشيخ يقول في مقدمته، كما نبه عليه الشيخ محمد بن أحمد مسكه:
بيتا لكل واحد بنيت
ـ الشيخ أحمد كوري بن محمادي السملالي: يرى أن الاستشكال مبني على مفهوم فقط، لأن منطوق الشيخ ليس فيه ذكر خلاف، وإنما أثبت ذكره للبعض ولم يصرح بنفيه عن الباقين. والمفاهيم لا يجب اعتبارها.
وقد قال في طرته على نظم خليل: إنه يقتدي بخليل في عدم اعتباره للمفاهيم.
وللسيوطي في الكوكب عن اعتبار المفاهيم:
وفي سوى الشرع أبى السبكي ورد == وقوم الوصف وقوم العدد
يعني أن المفاهيم لا تعتبر في غير الكتاب والسنة، لغلبة الذهول على غير المعصوم.
ـ هذا وربما خطر في بالي أن الشيخ يريد الإشارة إلى أن حمزة أول من حمل راية في الإسلام عند بعض أهل العلم!
ولعل مختصر الاستيعاب الذي اعتمد الشيخ تراجمه في شرحه لنظمه هو مصدر هذا القول بالتردد في حضور حمزة لبدر، فالشيخ لم يعلق بترجمة على هذا البيت، ما يعني أن المختصر الذي اعتمد لم يذكر شهود حمزة!!
والمشكل الحقيقي كوننا لم نقف على الكتاب الأصل الذي نظم منه وأطال في تعليل الأخذ منه، وهو رسالة اختصار الاستيعاب المجهول المؤلف، وهو الذي يحل إشكالات النظم والشرح.
كتبه المعلوم محمد الحضرمي السملالي

معلومات إضافية