سد الثغور في الابتداع على القبور, والصارم المشهور في رد محدثات الأمور - الحلقة الثامنة عشرة -

وقال النووي أيضا في كلامه على حديث الجارية: ((قوله صلى الله عليه وسلم : ( أين الله ؟ قالت في السماء قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله, قال : أعتقها فإنها مؤمنة ) هذا الحديث من أحاديث الصفات ، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان . أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه ، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات .

والثاني: تأويله بما يليق به ، فمن قال بهذا قال : كان المراد امتحانها ، هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده ، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة ؟ وليس ذلك ؛ لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة ، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين ، كما أن الكعبة قبلة المصلين ، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم ، فلما قالت : في السماء ، علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان .
 

قال القاضي عياض : لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى : {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ } [الملك: 16] ونحوه ليست على ظاهرها ، بل متأولة عند جميعهم ، فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء ، أي : على السماء ، ومن قال من دَهْماء النُّظار والمتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى تأولوها تأويلات بحسب مقتضاها ، وذكر نحو ما سبق .
قال : ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحقّ كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا ، وسكتوا لحيرة العقل ، واتفقوا على تحريم التكييف [والتخييل ] والتشكيل ، وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير [شك ] في الوجود والموجود ، وغير قادح في التوحيد ، بل هو حقيقته [عندهم، ] ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح .
وهل بين التكييف وإثباتِ الجهات فرق ؟ لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده ، وأنه استوى على العرش ، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] عصمة لمن وفقه الله تعالى ، وهذا كلام القاضي رحمه الله تعالى .)). انتهى كلام النووي [شرح النووي صحيح مسلم الطبعة السابقة المجلد الثالث الصفحة 26.].
و الدَّهْماءُ : العَدَد الكَثير ، و أيضاً : جماعةُ الناس ) كما في الصّحاح ، زادَ غيرُه : وكثرتُهم . قال الكسائي : يقال : دخلتُ في خَمَر النَّاسِ أي : في جماعتِهم وكَثرتِهم ، وفي دَهْماءِ الناس أيضاً مِثْله ، وقال :
فقدْناكَ فِقْدانَ الرَّبيع ولَيْتَنَا فَدَيْنَاك من دَهْمائِنا بأُلُوفِ )
وقال الزمخشري : الدَّهْماء : السَّوادُ الأعظمُ ، وهو مجاز . [ القاموس ممزوجًا بتاج العروس.]

وقال الإمام الحافظ ابن حجر في كلامه على حديث النزول: (( قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك.
وقد اختلف في معنى النزول على أقوال:
فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم.
ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة والعجب: أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا.
ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفيه والتشبيه وهم جمهور السلف. ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم.
ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمَلٍ في كلام العرب.
ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف.
ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب وبين ما يكون بعيدا مهجورا فأول في بعض وفوض في بعض وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم وسيأتي مزيد بسط في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.
وقال بن العربي حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث وعن السلف إمرارها وعن قوم تأويلها وبه أقول فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته بل ذلك عبارة عن ملَكه الذي ينزل بأمره ونهيه والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني فإن حملته في الحديث على الحسي فتلك صفة المَلَك المبعوث بذلك وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة. انتهى.
والحاصل: أنه تأوله بوجهين إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره وإما بأنه استعارة بمعني التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه.
وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي يُنزل ملكا.
ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: (إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له..) الحديثَ
وفي حديث عثمان بن أبي العاص: (ينادي منادٍ هل من داع يستجاب له.. الحديثَ.
قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني: (ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا يسأل عن عبادي غيري.) لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز أمتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه فالمراد نزول رحمته أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة. انتهى الغرض من كلام الإمام ابن حجر في فتح الباري.[ فتح الباري طبعة دار الفكر ج 3 ص 30 - 31]

 

الأستاذ أحمد أبوه

معلومات إضافية