سد الثغور في الابتداع على القبور, والصارم المشهور في رد محدثات الأمور - الحلقة السابعة عشرة -

قال الإمام القاضي أبوبكر بن العربي: ((قالوا: في هذا الحديث دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات.
قلنا: هذا جهل عظيم وإنما قال ينزل إلى السماء ولم يقل في هذا الحديث من أين ينزل ولا كيف ينزل؟
قالوا: وحجتهم ظاهرة قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}.
قلنا: له وما العرش في العربية وما الاستواء؟
قالوا :كما قال الله تعالى لتستووا على ظهوره.

قلنا: فإن الله تعالى أن يمثل استواؤه على عرشه باستوائنا على ظهور الركاب. قالوا: وكما قال: {واستوت على الجودي}.

قلنا: تعالى الله أن يكون كالسفينة جرت حتى لمست فوقفت.
فقالوا: وكما قال: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}.
قلنا: معاذ الله أن يكون استواؤه كاستواء نوح وقومه لأن هذا كله مخلوق استواء بارتفاع وتمكن في مكان واتصال ملامسة وقد اتفقت الامة من قبلِ سماع الحديث وسرده على أنه ليس استواؤه على شئ من ذلك فلا تضرب له المثل بشئ من خلقه.
قالوا قال الله عز وجل {ثم استوى على العرش} {ثم استوى الى السماء} قلنا: تناقضت تارة بقولك: إنه على العرش فوق السماء ثم تقول: إنه في السماء لقوله: {أأمنتم من في السماء} وقلت: إن معناه على السماء ويلزمه أن تقول: الرحمن على العرش استوى أي إلى العرش.
قالوا: وقال: {يدبر الامر من السماء إلى الارض}.
قلنا: هذا صحيح ولكن ليس فيه لبدعتكم دليل.
قالوا اجتمعت الموحدة على أنهم يرفعون أيديهم في الدعاء إلى السماء ولولا ما قال موسى إلهي في السماء لفرعون ما قال: {يا هامان ابن لي صرحا} قلنا: كذبتم على موسى ما قالها قط ومن [يوصلكم ] إليه؟ إنما أنتم أتباع فرعون الذي اعتقد أن الباري في جهة فأراد أن يرقى إليه بسلم فيهنيكم أنكم من أتباعه وأنه إمامكم.
قالوا: وهذا أمية بن أبي الصلت يقول:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وهو قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور.
قلنا: هذا الذي يشبه جهلكم أن تحتجوا بقول فرعون وقول ملحد جاهلي وتحيلون به على التوراة والإنجيل المبدلة المحرفة واليهود أعظم خلق الله كفرا وتشبيها لله بالخلق.
قال الامام القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه والذي يجب أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولا شئ معه ثم خلق المخلوقات من العرش للفرش فلم يتغير ولا حدث له جهة منها ولا كان له مكان فيها فإنه لا يحول ولا يزول قدوس لا يتغير ولا يستحيل.
وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية ومنها ما لا يجوز على الله بحال وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة فإن شيئا من ذلك لا يجوز على الباري تعالى ولا يضرب له الأمثال به في المخلوقات.................
فقالوا يقول ينزل ولا يكيف.
قلنا: معاذ الله أن نقول ذلك إنما نقول كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما علمنا من العربية التي نزل بها القرآن قال النبي عليه السلام: يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني وعطشت فلم تسقني وهو لا يجوز عليه شئ من ذلك ولكن شرف هؤلاء بأن عبر به عنهم كذلك قوله ينزل ربنا عبر عن عبده وملكه الذي ينزل بأمره باسمه فيما يعطي من رحمته ويهب من كرمه ويفيض على الخلق من عطائه وقال الشاعر:
ولقد نزلت فلا تظنى غيره مني بمنزلة المحب المكرم
والنزول قد يكون في المعاني وقد يكون في الاجسام والنزول الذي أخبر الله عنه إن حملته على أنه جسم فذلك ملكه ورسوله وعبده وإن حملته على أنه كان لا يفعل شيئا من ذلك وفعله عند ثلث الليل فاستجاب وغفر وأعطى وسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة ومن صفة إلى صفة فتلك عريبة محضة خاطب بها أعرف منكم وأعقل وأكثر توحيدا وأقل بل أعدم تخليطا.
قالوا بجهلهم: لو أراد نزول رحمته لما خص بذلك الثلث من الليل لأن رحمته تنزل بالليل والنهار.
قلنا: ولكنها بالليل ويوم عرفة وفي ساعة الجمعة يكون نزولها أكثر وعطاؤها أوسع.
قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه وقد نبه الهو على ذلك بقوله {والمستغفرين بالاسحار.}))
ومن العناوين: قال الإمام الرازي: ((..العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس فلو كان المعبود مختصاً بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقاً لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين.)) انتهى الغرض منه عند قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وكروية الأرض الآن مما لا تسع المكابرة فيه.
ومنها: قال جامعه: أيها الإخوة الوهابية الكرام إن عقيدتنا ليست مبنيةً على التقليد فسيان عندنا كان أبو الحسن الأشعري معتزليا أو حشويا أو جهميا. أو ثبت على السنة أو لم يخلق أصلاً فكل ذلك لاينقص من كمال الله سبحانه وتعالى, ولا يزيد ولا ينقص من صفاته الأبدية الأزلية . {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } [محمد: 38] فلا طائل من وراء نقاش هل أبو الحسن رجع ثانيةً أم لا ؟ وهل ما في النسخ المتداولة من "الإبانة" محرف أم لا فإن قصارى أمره رجوع غير معصوم عن الحق فلنسلمه جدلا.
بل مما هو مقرر في عقيدتنا:
وفي المفلد خلاف مستطر ... لأنه إيمانه على خطر.
وهو معرض لشك يطرق .... وفيه للأشياخ تنمى طُرُق.
وذو احتياط في أمور الدين ... من فرّ من شك إلى بقين.
ومن له عقلٌ أبى عن شِـُـَـرب ما ... لم يصفُ مذْ ألفى زلالاً شَبِمَا.

 

الأستاذ أحمد أبوه

معلومات إضافية