سد الثغور في الابتداع على القبور, والصارم المشهور في رد محدثات الأمور - الحلقة السادسة عشرة -

Share

وقال النووي أيضًا: في (باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم): ((أما قوله صلى الله عليه وسلم:( عن يمين الرحمن ) فهو من أحاديث الصفات ، وقد سبق في أول هذا الشرح بيان اختلاف العلماء فيها ، وأن منهم من قال: نؤمن بها ولا نتكلم في تأويله ،

ولا نعرف معناه ، لكن نعتقد أن ظاهرها غير مراد ، وأن لها معنى يليق بالله تعالى ، وهذا مذهب جماهير السلف وطوائف من المتكلمين .

والثاني: أنها تؤول على ما يليق بها ، وهذا قول أكثر المتكلمين ، وعلى هذا قال القاضي عياض - رضي الله عنه - : المراد بكونهم عن اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة ، قال : قال ابن عرفة : يقال : أتاه عن يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة ، والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين ، وضده إلى اليسار .
قالوا : واليمين مأخوذ من اليمن . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( وكلتا يديه يمين ) فتنبيه على أنه ليس المراد باليمين جارحة - تعالى الله عن ذلك - فإنها مستحيلة في حقه سبحانه وتعالى.)) انتهى كلام النووي[شرح النووي صحيحَ مسلم الطبعة السابقة المجلد السادس الصفحة 426.]
وقال أيضا : ((قوله صلى الله عليه وسلم : ( فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله ) وفي الرواية التي بعدها: ( لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة تبارك وتعالى قدمه فتقول : قط قط ) وفي الرواية الأولى ( فيضع قدمه عليها ) هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات ، وقد سبق مرات بيان اختلاف العلماء فيها على مذهبين :
أحدهما : وهو قول جمهور السلف وطائفة من المتكلمين : أنه لا يُتكلم في تأويلها بل نؤمن أنها حق على ما أراد الله ، ولها معنى يليق بها ، وظاهرها غير مراد .
والثاني : وهو قول جمهور المتكلمين أنها تتأول بحسب ما يليق بها ، فعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث ، فقيل : المراد بالقدم هنا المتقدم ، وهو شائع في اللغة ومعناه : حتى يضع الله تعالى فيها من قدمه لها من أهل العذاب ، قال المازري والقاضي : هذا تأويل النضـر بن شميل ، ونحوه عن ابن الأعرابي .
الثاني : أن المراد قدم بعض المخلوقين ، فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم .
الثالث : أنه يحتمل أن في المخلوقات ما يسمى بهذه التسمية ، وأما الرواية التي فيها ( يضع الله فيها رجله ) فقد زعم الإمام أبو بكر بن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل ، ولكن قد رواها مسلم وغيره فهي صحيحة وتأويلها كما سبق في القدم ، ويجوز أيضا أن يراد بالرجل الجماعة من الناس ، كما يقال : (رجل من جراد) ، أي : قطعة منه ، قال القاضي : أظهر التأويلات أنهم قوم استحقوها ، وخلقوا لها ، قالوا: ولا بد من صرفه عن ظاهره ؛ لقيام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى)). [شرح النووي صحيح مسلم الطبعة السابقة المجلد التاسع والأخير ، باب انار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء الصفحة 181.]
وقال أيضا في باب النهي عن ضرب الوجه عند حديث (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) قال : ((وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن الله خلق آدم على صورته ) فهو من أحاديث الصفات ، وقد سبق في كتاب الإيمان بيان حكمها واضحا ومبسوطا ، وأن من العلماء من يمسك عن تأويلها ، ويقول : نؤمن بأنها حق ، وأن ظاهرها غير مراد ، ولها معنى يليق بها ، وهذا مذهب جمهور السلف ، وهو أحوط وأسلم .
والثاني أنها تتأول على حسب ما يليق بتنزيه الله تعالى ، وأنه ليس كمثله شيء . قال المازري : هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ، ورواه بعضهم : ( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ) ، وليس بثابت عند أهل الحديث ، وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له ، وغلط في ذلك . قال المازري : وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث ، فأجراه على ظاهره ، قال : لله تعالى صورة لا كالصور . وهذا الذي قاله ظاهر الفساد ؛ لأن الصورة تفيد التركيب ، وكل مركب محدث، والله تعالى ليس بمحدث ، فليس هو مركبا ، فليس مصورا . قال : وهذا كقول المجسمة : جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة يقولون : الباري سبحانه وتعالى شيء لا كالأشياء طردوا الاستعمال فقالوا: جسم لا كالأجسام .
والفرق أن لفظ شيء لا يفيد الحدوث ، ولا يتضمن ما يقتضيه ، وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب ، وذلك دليل الحدوث .
قال : العجب من ابن قتيبة في قوله : صورة لا كالصور ، مع أن ظاهر الحديث على رأيه يقتضي خلق آدم على صورته ، فالصورتان على رأيه سواء ، فإذا قال : لا كالصور تناقض قوله.
ويقال له أيضا : إن أردت بقولك : صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقية ، وليست اللفظة على ظاهرها ، وحينئذ يكون موافقا على افتقاره إلى التأويل. واختلف العلماء في تأويله فقالت طائفة : الضمير في ( صورته ) عائد على الأخ المضروب ، وهذا ظاهر رواية مسلم ، وقالت طائفة : يعود إلى آدم ، وفيه ضعف ، وقالت طائفة : يعود إلى الله تعالى ، ويكون المراد إضافة تشريف واختصاص كقوله تعالى : { ناقة الله } وكما يقال في الكعبة : بيت الله ونظائره . والله أعلم)). انتهى كلام النووي. [شرح النووي صحيحَ مسلم الطبعة السابقة المجلد الثامن الصفحة 381 - 382]

وللحلقة بقيا تتواصل إن شاء الله تعالى

 

الأستاذ أحمد أبوه

Share

معلومات إضافية