سد الثغور في الابتداع على القبور, والصارم المشهور في رد محدثات الأمور - الحلقة الخامسة عشرة -

تتمة في بيان موقف السلف الصالح من المتشابه : (قال جامعه : ويا ليت شعري ما ذا سيفعل الإخوة الوهابية في الجمع بين الحديثين الصحيحين : الحديث الذي جاء فيه: (ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يطوي الأرضين بشماله) والحديث الذي جاء فيه : ( عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ) ؟ هل سيؤولون الشمال ويأبون تأويل غيرها تحكما وتناقضا أم هل سيثبتون يدا ثالثة ويمحون ما شحنوا به كتبهم من إثبات يدين حقيقيتين فقط

 ويرجعون عن تأويل ما ورد من ذلك مفردا ومجموعا فتراهم الأعينُ العادلة فتأبى إلا العدل بينها وبين الأيدي فلا يجدون ملتحدا عن تحكم المكابرة أو الاذعان للحق و الرجوع إلى جماعة أهل السنة.)

تتمة في بيان موقف السلف الصالح من المتشابه:
قال الإمام القرطبي في كتاب "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" : ((فصل :قال الإمام أبو المعالي: اعلم أن أهل الحق نابذوا المعتزلة وخالفوهم واتبعوا السمع والشرع وأثبتوا الرؤية والنظر وأثبتوا الصراط والميزان وعذاب القبر ومساءلة منكر ونكير والمعراج والحوض واشتد نكيرهم على من يُنسب إلى إنكار ماثور الأخبار والمستفيض في الآثار في هذه القواعد والعقائد واتفقوا على أن القبح والحسن في أحكام التكليف والإيجاب والحظر لا يُدرك عقلا والمرجع في جميعها إلى موارد الشرع وقضايا السمع.
ولكنهم لما بلغتهم ألفاظٌ متشابهة والفاظ مشكلة لم يستبعدوا أن يكون في الأخبار البينُ الظاهرُ والمجمل المشكلُ فإن الله تعالى أخبر أن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، منه آيات محكمات وأخر متشابهات، وأعرضوا عن ذكرها , والدليل عليه : أن أئمة السنة وأحبار الأمة بعد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم , لم يودع أحد منهم [كتابه ] الأخبار المتشابهة فلم يورد مالك رضي الله عنه في الموطإ منها شيئا مما أورده الآجري وأمثاله , وكذلك الشافعي وأبو حنيفة وسفيان والليث والثوري , ولم يعتنوا بنقل المشكلات . وسَعتْ ناشئة ضروًا (الضرو الضاري من أولاد الكلاب ) بنقل المشكلات وتدوين المتشابهات وتبويب أبوابٍ ورسم تراجمَ على ترتيب فطرة المخلوقات ورسموا بابا في ضحك الباري , وبابا في نزوله وانتقاله وعروجه ودخوله وخروجه , وبابا في إثبات الأضراس , وبابا في خلق الله آدم على صورة الرحمن , وبابا في إثبات القدم والشعر القطط , وبابا في إثبات الأصوات والنغمات , تعالى الله عن قول الزائغين ، وليس يَتعمد جمعَ هذه الأبواب وتمهيد هذه الأسباب إلا مشبِّه على التحقيق ، أو متلاعب زنديق . أرشدنا الله للهدى وجنبنا موارد الردى.)). انتهى كلام الإمام القرطبي. [الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى للإمام أبي عبد الله القرطبي المتزفى 671 الناشر دار الصحابة للتراث بطنطا الطبعة الأولى 1416هت 1995م ج 2 من ص 199 إلى ص 201]
وقال الإمام البخاري في صحيحه: ((باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا.
وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله.)) انتهى.
قال الإمام الحافظ ابن حجر: ((والمراد بقوله بما يعرفون أي يفهمون وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره ودعوا ما ينكرون أي يشتبه عليهم فهمه وكذا رواه أبو نعيم في المستخرج.
وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة ومثله قول بن مسعود ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان لبعضهم فتنةً. رواه مسلم.))
ثم عد الإمام ابن حجر ممن كره التحديث ببعض دون بعض الإمام مالك في أحاديث الصفات و الإمام أبو يوسف في الغرائب ثم قال: ((وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب والله أعلم.)) انتهى كلام الإمام ابن حجر بحذف خفيف [فتح الباري ج 1 ص 225 طبعة دار الفكر.]
وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد :((وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه الأحاديث ذكره أصبغ وعيسى عن ابن القاسم قال سألت مالكا عمن يحدث الحديث "إن الله خلق آدم على صورته" والحديث "إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة" وإنه يُدخل في النار يده حتى يخرج من أراد فأنكر ذلك إنكارا شديدا ونهى أن يحدث به [أحد ])) انتهى الغرض منه فالغرض منه رأي الإمام مالك. [التمهيد لما في الموطإ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف ابن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى 463, طبعة محققة ومقابلة على أصول خطية, حققه وضبطه شهاب الدين أبو عمر, طبعة دار الفكر, الطبعة الأولى1423هـ -2002م – ج: 4- ص: 59]
وقال إمام المفسرين أبو جعفر الطبري في تفسير قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] : ((وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : {ثم استوى إلى السماء فسواهن} علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات.
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : {ثم استوى إلى السماء} الذي هو بمعنى العلو والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها ، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر ، ثم لم ينج مما هرب منه . فيقال له : زعمت أن تأويل قوله : {استوى} أقبل ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقل : علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال . ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله ، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفا ، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.)) انتهى كلام الإمام الطبري. [تفسير الطبري وهو : جامع البيان في تفسير القرآن للطبري.المؤلف : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وبهامشه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين القمعي النيسابوري طبعة دار الفكر- بيروت – 1398ه -1978م المجلد الأول , ص: 150]
وقال الإمام النووي في شرح مسلم في باب معرفة طريق الرؤية : ((اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين : أحدهما : وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها ، بل يقولون : يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين ، واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم .
والقول الثاني : وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها ، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع ، ذا رياضة في العلم .)) انتهى الغرض من كلام النووي.[شرح النووي صحيح مسلم طبعة دار الفجر للتراث ، القاهرة ، الطبعة الثانية ،1425 هـ 2004م المجلد الثاني الصفحة 24.]
وقال أيضا: ((قوله صلى الله عليه وسلم : ( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له ) هذا الحديث من أحاديث الصفات ، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين : أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى ، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ، ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق ، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي : أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها . فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما : تأويل مالك بن أنس وغيره معناه : تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال : فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني : أنه على الاستعارة ، ومعناه : الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف . والله أعلم.)) [شرح النووي صحيح مسلم الطبعة السابقة المجلد الثالث باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ،الصفحة 265.].
وللحلقة بقايا تتواصل إن شاء االله تعالى

 

الأستاذ أحمد أبوه

معلومات إضافية