سد الثغور في الابتداع على القبور, والصارم المشهور في رد محدثات الأمور - الحلقة الرابعة عشرة -

إخوانَنا الوهابيين كيف تتفصون مما ألجم به المازريُّ ابنَ قتيبة ؟؟!!
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: ((قال المازري : وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث – يعني حديث (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) فأجراه على ظاهره ، قال : لله تعالى صورة لا كالصور . وهذا الذي قاله ظاهر الفساد ؛ لأن الصورة تفيد التركيب ، وكل مركب محدث ،

والله تعالى ليس هو مركبا ، فليس مصورا . قال: وهذا كقول المجسمة : جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة يقولون : الباري سبحانه وتعالى شيء لا كالأشياء طردوا الاستعمال فقالوا : جسم لا كالأجسام . والفرق أن لفظ شيء لا يفيد الحدوث ، ولا يتضمن ما يقتضيه ، وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب ، وذلك دليل الحدوث .

قال : العجب من ابن قتيبة في قوله : صورة لا كالصور ، مع أن ظاهر الحديث على رأيه يقتضي خلق آدم على صورته ، فالصورتان على رأيه سواء ، فإذا قال : لا كالصور تناقض قولُه.
ويقال له أيضا : إن أردت بقولك : صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقية ، وليست اللفظة على ظاهرها ، وحينئذ يكون موافقا على افتقاره إلى التأويل.)) انتهى. [شرح النووي صحيحَ مسلم طبعة دار الفجر للتراث ، القاهرة ، الطبعة الثانية ،1425 هـ 2004م, المجلد الثامن الصفحة 382].
أيها الإخوة كيف تتفصون من إلزامات الإمام فخر الدين الرازي حيث قال في تفسيره عند قوله تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75] حيث قال: ((المسألة الرابعة احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } في إثبات يدين لله تعالى بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه فوجب المصير إليه والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية فوجب القطع به.
واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأجزاء والأعضاء قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتاً جاريةً مجرى الإلزامات الظاهرة:
فالأول: أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها وإما أن يزيد عليها
فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88].
ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيوناً كثيرة لقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [القمر: 14], وأن يثبت جنباً واحداً لقوله تعالى: {عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ } [الزمر: 56] وأن يثبت على ذلك الجنب أَيْدِيًا كثيرة لقوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَ} [يس: 71] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله: - صلى الله عليه وسلم - (الحجر الأسود يمين الله في الأرض ) وأن يثبت له ساقاً واحداً لقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } [القلم: 42] فيكون الحاصل من هذه الصورة مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة وجنب واحد ويكون عليه أيدٍ كثيرة وساق واحد ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد في شرائه فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة.
وأما القسم الثاني وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن بل يزيد وينقص على وفق التأويلات فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ولا بد له من قبول دلائل العقل.)) انتهى الغرض من كلام الإمام فخر الدين الرازي.
أيها الإخوة إن هذه النصوص : اليد واليدان والأيدي والعينان والأعين والاستواء والمعية والقرب والنزول لايمكن الجمع بينها بحال إلا بضرب من التأويل, وترجيحُ تأويل أحدها بلا مرجِّح تحكم ٌ فلم يبق إلاتأويلها كلها بمعنى صرفها عن ظاهرها المتبادر, فانظروا ذلك بعين الإنصاف لعله يردكم لجماعة أهل السنة فما من ديدنكم التعصب ولا المكابرة ولا الجمود . ولو أن في الأشاعرة الآن عشرةً مثل علمائكم ودعاتكم لأنقذوها من موت محقق. فلله دركم فرسانًا أسأل الله تعالى الفعّال لما يريد الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويقلب القلوب كيف شاء ، لا يمتنع عليه منها شيء ، ولا يفوته ما أراده ويحُول بين المرء وقلبه أن يُعزَّ بكم المحجة البيضاء والسبيل السابلة وما ذلك على الله بعزيز، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
تتمة في بيان موقف السلف الصالح من المتشابه

وهو بداية الحلقة السادسة عشرة إن شاء الله تعالى.

 

الأستاذ أحمد أبوه

معلومات إضافية