رسالتَيْ سد الثغور في الابتداع على القبور والصارم المشهور في رد محدثات الأمور - الحلقة الأولي -

Share

مقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

هذا ولما كثرت البدع في زيارة القبور حتى خرجت الزيارة عن المقصود منها شرعا وكان من ينكر تلك البدع هو (المبتدع) فما إن ينكر الذبح عند القبر أو مسه أو مسحه أو الطواف به حتى يتخذ هزؤا ويوصم بأنه وهابي لما كانت الحال على هذا أردت أن أبين أن الأشاعرة المالكية أصفى عقيدة وأشد اتباعا من أن يذبحوا أو ينحروا أو يطوفوا أو يتمسحوا بالقبور فجلبت عجالة من آراء السادة الأشاعرة المالكية في الذبح عند القبور ومسها والطواف بها، وقسمتها إلى ثلاثة أقسام القسم الأول الذبح عند القبر، القسم الثاني الأكل والشرب عند القبر، القسم الثالث في آداب الزيارة، وقد اقتصرت منها على آداب زيارة روضته صلى الله عليه وسلم فيعلم منها آداب زيارة غيره من باب أولى وقد ختمت بها تفاؤلا بحسن الخواتم. وسميتها "سد الثغور في الابتداع على القبور" ثم بدا لي أن أفتح منه نوافذ على بعض البدع والمفاهيم والتصورات الفاسدة متعرضا لها بالرد والتصحيح فسميتها " الصارم المشهور في رد حدثات الأمور"

وقبل أن أشرع في جلب نقول المالكية الأشاعرة أقول للذين يذبحون عند القبور ويبيتون ويقيلون أقول لهم - وقد علمني التطفل على البيانيين والبيان أن لكل شيء نكتة - :
لماذا الذبح عند القبور بالخصوص؟!
لماذا المبيت عند القبور بالخصوص؟!
لماذا المقيل عند القبور بالخصوص؟!
لماذا البناء عند القبور بالخصوص؟
ومن هو أول من بنى عند القبور بالخصوص؟
لماذا لا تذهبون إلى روضة مُعْشِبَة خضراء في صحراء نقية فتذبحون وتبيتون وتقيلون؟؟؟!
دونكم نصوص الأشاعرة المالكية ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة:
القسم الأول الذبح عند القبور:
قال المالكي الأشعري: أبو العلماء
...ابن جلا وطلاع الثنايا متى يضع العمامة تعرفوه
الإمام محمد بن محمد سالم المجلسي قال عند قول خليل في الجنائز: (وتهيئة طعام لأهله). قال عازيا للخرشي: ((وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فهو من أمر الجاهلية مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام (لا عقر في الإسلام).
قال العلماء العقر الذبح عند القبر انتهى كلام الخرشي.)) انتهى الغرض منه [لوامع الدرر في هتك أستار المختصر نسخة عتيقة قلمية مخطوطة. طبعة دار الرضوان الأولى 1436هـ = 2015م بادئا من بعد الكلمة لأولى من السطر 4 من الصحيفة114 من الجزء الثالث]
وقال المالكي الأشعري عبد القادر بن محمد بن محمد سالم في ثمان الدرر في تبيين معاني المختصر: ((وأما عقر البهائم وذبحها عند القبر فمن أمر الجاهلية وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة عن الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا مفاخرة ولم يجمع الناس عليه وروى أبو داود مرفوعا: (لا عقر في الإسلام).
قال العلماء: والعقر الذبح على القبر ولو تصدق في البيت سرا لكان عملا صالحا لو سلم من البدعة أعني أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه ليس من عمل من مضى والخير كله في اتباعهم رضي الله عنهم نقله الإمام الحطاب )) نتهى [ثمان الدرر في تبيين معاني المختصر مخطوط].
وقال الإمام الألمعي المالكي الأشعري محنض بابه بن اعبيد الديماني في شرحه خليل (الميسر) عند قول خليل في الجنائز: (وتهيئة طعام لأهله) قال: ((وأما عقر البهائم على القبور فمن شأن الجاهلية وفي حديث أبي داود عن أنس (لا عقر في الإسلام) والعقر الذبح عند القبر فإن ذبح في بيته وأطعمه الفقراء صدقة عن الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ذكر ذلك الحطاب.)) انتهى كلام الأشعري المالكي محنض بابه [ميسر الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل طبعة دار الرضوان الثانية بادئًا من بعد كلمتين من السطر 5 من الصحيفة 390 من الجزء الأول, وفي الطبعة لأولى: الجزء الأول الصحيفة 232 بادئا من آخر السطر الثالث عشر.]
وقال المالكي الأشعري ﮔنون محيلا للحطاب قال عند قول خليل وتهيئة طعام لأهله: قلت قال في الطراز: أما عقر البهائم وذبحها على القبور فمن أمر الجاهلية وقد روى أنس بن مالك مرفوعا (لا عقر في الإسلام) خرجه أبو داود انتهى قال العلماء العقر الذبح عند القبر وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة على الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ولم يجمع عليه الناس انتهى الغرض من كلام الأشعري المالكي ﮔنون في الجزء الثالث الصحيفة 210 بادئا من آخر النصف الأول من السطر الثامن الطبعة دار الفكر بيروت 1398هـ 1978م
وقال الأشعري المالكي العدوي معلقا على كلام الخرشي عند قول خليل (وتهيئة طعام لأهله) قال وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فمن أمر الجاهلية مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم (لا عقر في الإسلام) قال العلماء العقر الذبح على القبر انتهى كلام الأشعري المالكي العدوي بادئا من وسط النصف الأول تقريبا من السطر الذي تحته سطران من الصحيفة 129 من الجزء الثاني من المجلد الأول من طبعة دار الفكر
وقال المالكي الأشعري المرابط أحمد بن محمد عينين بن أحمد بن الهاد اللمتوني في شرحه خليل (مغني قراء المختصر عن التعب في تصحيح الطرر) قال عند قول خليل (وتهيئة طعام لأهله): وأما ذبح البهائم أو نحوها( ) عند القبور فمن أمر الجاهلية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا عقر في الإسلام) قال العلماء العقر الذبح عند القبر
وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة عن الميت فلا بأس به إذا لم يقصد رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ولم يجمع عليه الناس ولم يعتقد سنيته ذكره الحطاب انتهى كلام المالكي الأشعري في المغني الصحيفة 176 آخر السطر الذي تحته ثلاثة عشر سطرا الطبعة الأولى 1425هـ 2005م
وقال المالكي الأشعري الحطاب: أما عقر البهائم وذبحها على القبر فمن أمر الجاهلية إلا أن( ) أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا عقر في الإسلام) خرَّجه أبو داود انتهى قال العلماء العقر الذبح عند القبر وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة على الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ولم يجمع عليه الناس.
قال الفاكهاني في آخر باب الدعاء للطفل: وعقر البهائم وذبحها عند القبر من أمر الجاهلية وقد روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عقر في الإسلام) انتهى انتهى الغرض من كلام المالكي الأشعري الصحيفة 228 بادئا من الكلمتين الأخيرتين من السطر الذي تحته سبعة أسطر من الحطاب وتحت الأسطر السبعة ثلاثة أسطر من المواق تحت خط مفصول به بين الحطاب والمواق في المجلد الثاني من مطبعة مكتبة النجاح ليبيا.
وقال المالكي الأشعري لمرابط محمذن فال بن أحمدو فال الملقب يحيى في نظم الفقه والفوائد في النوازل والشواهد بادئا من البيت الثالث من الصحيفة 118 من مطبعة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2005م:
عقر على القبور مذموم وهو ... للجاهلية لدى من يفقه
إذ جاء لا عقر في الاسلام على... ما في حديث من علا من قد علا
صلى وسلم عليه الله ............... مولاه من أولاه ما أولاه
والعقر هو الذبح عند القبر لـــ... ــكن ذا لدى البيت أجز أن تفعلا
من غير سمعة ولا ريا على .... ما ساقه ميسر ونقلا . انتهى.

وقال المالكي الأشعري شيخنا محمذن فال بن ألما:
من الضلال عند جل المهره ... أن تذبح الأنعام عند المقبره
وجاء فيه اللعن عن خير البشر ... كما روى أبو تراب الأبر
فالذبح لا يطلب في الشريعة .. إلا للاضحاة أو العقيقة
والهدي هكذا وذا قد قاله ........ كنون في النذر فخذ مقاله. نتهى.

وقال المالكي الأشعري الشيخ التراد محمد فاضل بن العباس بن الشيخ الحضرمي بن الشيخ محمد فاضل بن مامين قال في كلامه على زيارة القبور:
ولا تسق إليهم للذبح ..... شاء وغيرها فهاك نصحي
حرم ذا أئمة كالنووي .. والاكل منه منعه عنه روي.
انتهى الغرض من كلام المالكي الأشعري الشيخ التراد بادئا من البيت الأخير من الصحيفة 93 ديوان نيل المراد للشيخ التراد. الناشر دار الرضوان لإحياء التراث ونشره لصاحبها أحمد سالك بن ابوه
قال جامعه عافاه الله في دنياه وأخراه:
أما حديث أبي داود فقد أخرجه في كتاب الجنائز في باب كراهية الذبح عند القبر قال حدثنا يحيي بن موسى البلخي أخبرنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا عقر في الإسلام)
قال الشوكاني متكلما على هذا الحديث: وحديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح انتهى كلام الشوكاني في الجزء الرابع من نيل الأوطار في شرحه أحاديث باب صنع طعام لأهل الميت الصحيفة 148 بادئا من آخر السطر الثاني عشر الطبعة دار الفكر.
وقال النووي في المجموع وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا عقر في الإسلام) رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وفي رواية أبي داود قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شيا انتهى كلام الإمام النووي في المجموع المجلد الخامس الصحيفة 320 بادئا بعد كلمتين من السطر السابع المطبعة دار الفكر وبالله تعالى التوفيق.


فإن قيل: في الشرح الكبير للدردير جواز الذبح عند القبور فقد قال عند قول خليل في أواخر النذر: (ولا يلزم في مالي في الكعبة أو بابها أو كل ما أكتسبه أو هدي لغير مكة الخ).
قال: ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب شيء من الحيوان معهم ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء المحل من غير نذر ولا تعيين فيما يظهر
فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - : أن هذا الكلام مقتطع من سياقه وقطع الكلام من سياقه ومقامه تحريف له عن مواضعه فقد ساق الدرير هذا الكلام بعد أن ذكر ما معناه أن من نذر هديا بلفظ الهدي أو بدنة بلفظ البدنة لغير مكة كما إذا نذرهما لقبره صلى الله عليه وسلم فلا يلزمه شيء فيهما فلا يلزمه بعث ما نذر ولا ذكاة ما نذر بموضعه بل يمنع بعثه ولو قصد الفقراء الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي لأن سوق الهدايا لغير مكة ضلال وأن من عبر بغير لفظ الهدي والبدنة كلفظ بعير أو خروف لا يبعثه, بل يذبحه بموضعه وبعثه أو استصحابه من الضلال أيضا بعد أن ذكر هذا ذكر أن من قصد زيارة ولي واستصحب شيئا من الحيوان ليذبحه هناك توسعة على نفسه وعلى الفقراء المجاورين لذلك المحل أن هذا لا يضر فلا يخفى من سياق كلامه أن الذبح إنما هو عند الفقراء المجاورين للقبر لا عند القبر ولم يرد في كلام الدرير هذا لفظ القبر ولا القبور ولا مادة القبر ولا مادة القبور فسياق كلامه يرجح أنه إنما أراد الذبح عند الفقراء المجاورين للقبر لأمرين الأول أنه يتكلم على سوق واستصحاب الدواب للفقراء المجاورين للقبر الأمر الثاني أنه قال للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء المحل ثم إنه تقدم في كلامه أن الأكل على القبر لا ينبغي فدل ذلك كله على أنه إنما أراد الذبح عند الفقراء المجاورين للقبور لا عند القبور فلم يتعارض كلامه مع كلام العلماء ولا مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والجمع بين كلام العلماء أولى ما أمكن وحمل كلام العلماء على موافقة السنة أولى ما أمكن.


فتحصل من كلام الدردير هذا ثلاث صور :
الصورة الأولى: سوق الحيوان إلى الفقراء المجاورين للقبر وقد نذره لهم بلفظ الهدي أو البدنة.
الصورة الثانية: سوقه لهم وقد نذره لهم بغير لفظ الهدي والبدنة.
الصورة الثالثة: سوقه لهم بغير نذر ولا تعيين بل للتوسعة على نفسه وعليهم؛
ولو سلمنا جدليا – ولا نسلم – أن كلام الدرير هذا يدل على جواز الذبح عند القبور فهو محجوج مردود بكلام العلماء بل بكلام خاتم المرسلين الذي استند له أولئك العلماء.
فإن قلت: ما الفرق بين الذبح عند الفقراء المجاورين للقبر والذبح عند القبر؟
قلت: الذبح عند الأحياء المجاورين للقبر المقصود فيه بالذات الذبح عند الأحياء والذبح عند الأموات تبع.
والذبح عند الأموات المقصود فيه بالذات الذبح عند الأموات.
وَفَرْقٌ بين المقصود بالذات والحاصل بالتبع, ويجاب بهذا عن ما خالف المشهور من أن من نذر حيوانا بغير لفظ الهدي والبدنة لمساكين ملازمين لقبر أنه يجوز أن يبعثه لهم ويستصحبه إليهم يجاب عنه بهذا بعد أن يجاب عنه بأنه غير مشهور، فبعثه لهم ليذبحوه غير بعثه للقبر ليذبح عنده وذبحهم هم له بديارهم أو حول ديارهم ليس ذبحا عند القبر، فسلطان الأحياء أقوى من سلطان الأموات فإذا تجاور أحياء وأموات فالحكم للأحياء لا للأموات:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل

فاستناد العلامة الوزاني في نوازله لهذا القول المقابل للمشهور في إباحة الذبح على أضرحة الأولياء استنادٌ إلى غير مستند وقبل أن أجلب لك كلام الوزاني فدونك نص العلامة الدرير رحمه الله تعالى غير مقتطع من سياقه ممزوجا بنص خليل:
(أو) نذر (هدي) بلفظه أو بدنة بلفظها (لغير مكة) كقبره عليه الصلاة والسلام فلا يلزمه شيء فيهما لا بعثه ولا ذكاته بموضعه بل يمنع بعثه ولو قصد الفقراء الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي لقول المدونة سوق الهدايا لغير مكة ضلال أي لما فيه من تغيير معالم الشريعة فإن عبر بغير لفظ هدي أو بدنة كلفظ بعير أو خروف فلا يبعثه بل يذبحه بموضعه وبعثه أو استصحابه من الضلال أيضا ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب شيء من الحيوان معهم ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء المحل من غير نذر ولا تعيين فيما يظهـر انتهى كلام الدرير.

ودونك نص كلام الوزاني في نوازله:
((وسئل بعضهم عمن سمى ذبيحة لولي هل يجوز له بيعها وشراء مصحف أو ستر ويجعله لذلك الولي بدلا منها أو لابد من التصدق بها على الفقراء في أي مكان شاء؟
فأجاب: الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله،
لا يجوز له ذلك ويجب عليه ذبحها والتصدق بها في موضعه على الفقراء وله إبقاؤها لنفسه والتصدق عليهم بلحم قدر لحمها وهذا إن قصد ثوابها لذلك الولي وأما إن سماها له قاصدا بها التوسعة على نفسه وعياله كما هي عادة بعض الناس فلا يلزمه شيء، قال الخرشي: ومن نذر ما يصح أن يهدى بلفظ جزور أو بعير أو نحو ذلك فإن قيد بمكة بلفظ أونيةٍ نحرَه بمكة إلا أن يقلده [ويشعره] ( كذا في الأصل والذي في الخرشي:[أو يشعره].) فيكون هديا فيجري فيه تفصيله وإن جعله لغير مكة بلفظ أو نية أو أطلق لزمه ذبحه أو نحره بموضع نذره وليتصدق به وله أن لا ينحره ويطعم المساكين قدر لحمه. وقال الزرقاني: وأما لوعبر بغير الهدي والبدنة وجعله لغير مكة فإن كان مما يهدى وعبر عنه بلفظ بعير أو جزور أو خروف نحره أو ذبحه في موضعه وفرق لحمه للفقراء وإن شاء أبقاه وأخرج مثل ما فيه من اللحم ويمتنع بعثه عند القبر ولو قصد به الفقراء الملازمين له لقول المدونة: سوق الهدي لغير مكة ضلال وأما إن كان مما لا يهدى به كثوب أو دراهم أو طعام فإن قصد به الملازمين للقبر ولو أغنياء أرسله إليهم وإن قصد نفس الشيخ – أي الثواب له – تصدق به في موضعه وإن لم يكن له قصد أو مات قبل علم قصده ينظر لعادتهم. كذا استظهر بن عرفة والبرزلي انظره.
قلت : ما أجاب به هذا البعض وأصله للخرشي والزرقاني بل والأجهوري أيضا هو المشهور ومذهب المدونة ولكن مقابله قال في التوضيح هو لمالك في الموازية وبه قال أشهب لأن إطعام مساكينِ أي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه.انتهى.
وعليه فلا بأس بإرسال الأنعام للأولياء وذبحها بأضرحتهم كما هو العادة وهذا القول هو الذي رأيناعليه عمل الناس فيما أدركنا. قال شارح العمل الفاسي ولما رأى ابن هلال أن من جملة ما يؤتى به للصالحين النعم التي يذبحونها عند أبوابهم زاد بعد كلام ابن عرفة مانصه: وفي المدونة قال مالك: لو نذر جزورا لمساكينِ البصرة أو مصر وهو بغيرها فلينحرها بموضعه وليتصدق بها على مساكينِ من عنده كانت الجزور بعينها أو بغير عينها، وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال. ابن المواز . وقد قال مالك مر ة أخرى:إنه ينحرها حيث نوى، وقاله أشهب واختاره اللخمي وهو الظاهر إلخ. والله أعلم. ))انتهى كلام العلامة الوزاني رحمه الله تعالى.[النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى المسماة بالمعيار الجديد المعرب عن فتاوي المتأخرين من علماء المغرب تأليف الشريف العلامة المدرس المفتي بفاس أبي عيسى سيدي المهدي الوزاني المتوفى عام1342هـ قابله وصححه على النسخ الأصلية الأستاذ عمر بن عباد خريج دار الحديث الحسنية. 1417هـ - 1996م المملكة المغربية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الجزء الثاني ص 548-549.]
فتأمل ما استند إليه من كلام التوضيح حيث قال: ((ولكن مقابله قال في التوضيح هو لمالك في الموازية وبه قال أشهب لأن إطعام مساكينِ أي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه.انتهى.)) تأمله لتعلم أنه لا يمت للذبح عند القبور بأي صلة وإنما فيه وجوب الوفاء بالإطعام على من نذر إطعام مساكين بلدة معينة وأما كون أولئك المساكين ملازمين لقبر ولي أوغيره أو غيرملازمين لقبر فذلك شيء آخر لا أثر له في الحكم وقد علم حكمه من تواتر المالكية على أنه من شأن الجاهلية. فتأمل قوله: لأن إطعام مساكينِ أي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه. تأمل قوله أي بلد.وبالله تعالى التوفيق. ودونك نص التوضيح: فقد قال عند قول ابن الحاجب:(وإذا التزم هديا لغير مكة لم يفعله لأنه معصية وإن لم يقصد هديا ذبحه مكانه على المشهور وقيل يجوز نقله إليهم.) قال: ((المشهور مذهب المدونة لأن في نقله إليهم شَبَها بسوق الهدايا، والشاذ لمالك في الموازية وبه قال أشهب : لأن إطعام مساكينِ أي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، وأشار بعضهم إلى أنه يجوز أن لا ينحر شيئا ويطعمُ المساكين لحما يكون قدرُه قدرَ لحم الجزور وهو ظاهر لأنه لا قربة في النحر.)) انتهى بحروفه. [التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب تأليف خليل بن إسحاق الجندي المالكي المتوفى سنة مركز نجيبويه الطبعة الأولى 1429 هـ 2008م الجزء الثالث ص 397 ]
وأما قوله: (كما هو العادة وهذا القول هو الذي رأيناعليه عمل الناس فيما أدركنا.) فنجيب عنه بما أجاب به العلامة محمد مولود عن النقش على القبور حيث قال: ((فإن قيل: هذا مما أقره أجلاء القطر منذ أزمنة قلت:نص إمام الأيمة ابن الحاج في مدخله أن ما خالف الشرع من العمل لغو وفي المواق وعبد الباقي عند ومسمع واقتداء به: أن ما وافق قولا له مستند صحيح ينبغي تركه فمفاده أنه إن ضعف القول أو لم يكن أصلا لم يترك، وهذا واضح أما قول الرسالة: واتباع السلف الصالح. فهم قرون الحديث كما في شروحها، وقد نصوا على أن كلام العالم إن ظهر بطله نبذ فما ظنك بتقرير من يحتمل أنه لم ينتبه، وأما قول الحاكم في مستدركه:إن النهي عن الكتب على القبر ليس عليه عمل الأيمة فليس بنص ولا بظاهر في جواز هذه الطامة إذلم يقل إن الأيمة يكتبون على قبورهم أسماء من الأسماء الحسنى ولا أن كتابتهم تلقى الأقذار كما في بلادنا هنا وهنا ومن هنا، مع أن حجة الحاكم بجوازه ردها محققون منهم الونشريسي والرهوني بأن الأيمة قُصارَى أمرهم أنهم شاهدوه ولم ينكروه.)) انتهى الغرض من كلام العلامة محمد مولود بحروفه بحذف
فإن قلت: في كنون ما يدل على جواز الذبح عند القبور فقد قال عند قول خليل (وذبح لصنم) قال: ((وأما ما يذبح على قبور الأولياء لقضاء الحوائج فينظر فيه لاعتقاد الذابح فإن اعتقد أن التأثير في قضائها لذلك الولي فمذبوحه حرام وإن اعتقد أن التأثير إنما هو لله تعالى وإنما ذبح على ذلك الولي ونوى ثواب مذبوحه له لجريان العادة بقضاء حاجة من فعل ذلك فهذا لا بأس بأكله قاله بعضهم وهو ظاهر.))
فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - : أن الأكل شيء والذبح شيء آخر وقد تقدم كلامه على الذبح وهو هنا يتكلم على الأكل لا على الذبح مع أنه لم يأت بدليل على جواز أكله ولم يعزه إلا لبعض مجهول، ولو سلمنا جدليا –ولا نسلم- أن كلامه هنا معارض لكلامه هناك المعضد بكلام العلماء المعضد بالحديث الصحيح فنقول ما قلناه آنفا في كلام الدردير فنقول إنه محجوج مردود بكلام العلماء بل بكلام خاتم المرسلين الذي استند له أولئك العلماء.
على أن شيخي العلامة محمد سالم بن عدود قد تعقب قوله "فهذا لابأس بأكله " في شرحه نظم خليل "التسهيل والتكميل لفقه متن خليل " فقد قال معقبا عليه ما نصه : ((قلت هو على الأقل مضاهٍ لما أهل به لغير الله فأقل أحواله الكراهة .)) انتهى الغرض منه وقد تقدم قول الشيخ التراد:
حرم ذا أئمة كالنووي
والأكل منه منعه عنه روي
وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
قال الخرشي عند قول خليل: (أو هدي لغير مكة): ((حاصل هذه المسألة أن من نذر ما يصح هديه بلفظ هدي أو لفظ بدنة فإن سمى مكة أو نواها أو أطلق لزمه سوقه لها حيث كان المحل قريبا بحيث يصل منه فإن كان بعيدا فإنه يشتري بثمنه مثله أو أفضل منه من مكان يغلب على ظنه أنه يصل منه وإن سمى بقعة غير مكة فإن قصد تعظيمها حتى كأنها مكة لم يلزمه شيء وإن قصد الرفق بفقرائها فكذلك لأنه نذر معصية لأن سوقه لغير مكة ضلال وأن من نذر ما يصح أن يهدى بلفظ جزور أو بعير أو نحو ذلك فإن قيد بمكة بلفظ أو نية نحره بمكة إلا أن يقلده أو يشعره فيكون هديا فيجري فيه تفصيله وإن جعله لغير مكة بلفظ أو نية أو أطلق لزمه ذبحه أو نحره بموضع نذره وليتصدق به وله أن لا ينحره ويطعم المساكين قدر لحمه)) . انتهى كلام الخرشي. [الخرشي على مختصر سيدي خليل وبهامشه حاشية الشيخ علي العدوي دار الفكر الجزء الثالث ص104 - 105]
خاتمــة أسأل الله سبحانه وتعالى حسنها
قال الإمام محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي الموسوي:
((أما بعد ففي نور البصر أن ما انفرد به علي الاجهوري وأتباعه غير معتمد وبين وجه ذلك ومن تأمله وتأمل من تبعهم من المصريين علم أنه كذلك فقول الأمير إن مس المصحف لا يضر تيمم الفرض والدردير إن المتيمم الجنب لا يمكث في المسجد بعد الصلاة لا يعتمد لا سيما والبحث في كل ظاهر فكلام الأمير مخالف لظاهرهم والقعود في المسجد عبادة وإن انتظر فيه صلاة كان رباطا وإن نمى نيته به كان عبادات وفي الكافية أن تصديق العلماء واجب فيما نقلوه لا فيما قالوه إلا عند إفهام دليله والثقة بدين قائله ولما في نور البصر تشهد حواشي عبد الباقي وفي عدة المريد أن التبصر واجب.)) انتهى كلام محمد مولود [نقلة مستقلة بخطه ] رحمه الله تعالى ونفع به وقد فعل.
وبالله تعالى التوفيق.
يتواصل إن شاء الله تعالى.

 

الأستاذ أحمد أبوه

Share

معلومات إضافية