حول تعريب inclusive وأخواتها

Share

شكرا للإخوة الكرام د. مروان سيف الدين ود. زاهر الرباعي والأستاذ المنصور فتى على احتفائهم بسداد القول في اللسان العربي. وقد نظرت في بعض سجالهم، وتأملت في المفردات الأشتات التي حاولنا بها تعريب مفاهيم سُبِقنا إلى بلورتها، ووجدتها في معظمها منصبة على بعد من أبعاد

 دلالات المصطلح الأجنبي الأم المقصود، فكلمات مثل الإيعاب والشمول والاشتمال والتضمين والعموم والإحاطة تصلح لجزء من الدلالة هو جزء ساذج غير متعدد الأبعاد، وربما كانت دلالته المادية أقوى، فأن توعب أو تستوعب، أو تشمل أو تضمّن، أو تحيط أو تدمج... كل ذلك لا يقتضي بذاته دلالة معجمية غير دلالة اندراج الشيء في الشيء اندراجا قصاراه الاندماج. والحال أن المطلوب هو اندراج مخصوص موعب طبعا ولكن ليس كما يوعب الكيس الأرز فقط مثلا، محيط ولكن ليس كما يحيط السجن بالمجرمين مقيدي الحريات مثلا، مدمج ولكن ليس ضرورة كما تدمج المطحنة الحبوب. إنه إيعاب مخصوص مقترن ببعض مقتضيات التكريم (الكرامة الآدمية)، إيعاب مادي بالطبع لكنه وفي المقام الأول إيعاب معنوي.

لذلك حين نظرت في مادة (ك ن ف) التي ارتضاها د. مروان سيف الدين وتساءل عن صيغة الاستفادة منها، وجدت فيها ملاذا من الدلالة المادية الساذجة للمصطلحات الأخرى، ذلك أن هذه المادة، وإن كانت دلالتها في الأصل حسية كسائر دلالات الألفاظ، فإن الاستعمال اللغوي عبر التاريخ خصصها بحيث صارت دلالتها المجازية المعنوية غالبة وإن كانت غير مُقصية لدلالتها الحسية. وقد استخدمت في اللغة مجردة ومزيدة استخداما مطردا، شعرا ونثرا.
فمن استعمالها مجردة في النثر قول أبي حيان في مقدمة البصائر : السعيد من آويته إلى كنف نعمتك، وما أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد من قول أحدهم "قد يعلم أمير المؤمنين أنا إنما نعيش في كنف هذا الشيخ".
بل إن الكنف لكثرة ما استعمل في المعنويات أضيف كثيرا إلى اللـه سبحانه وتعالى. ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف "من أنظر معسرا أو وضع له كان في ظل الـله يوم القيامة أو في كنف اللـه"، وفي حديث آخر "ما من أهل بيت واصلوا (وفي رواية تواصلوا) إلا أجرى الله عليهم الرزق وكانوا في كنف الله عز وجل". ومنه ما جاء في الحديث "من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد للـه الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به كان في كنف الـله وفي حفظ اللـه وفي ستر اللـه حيا وميتا". وقد ورد من دعاء ابن عباس "اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض أن تجعلني في حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك". ومن الدعاء المأثور أيضا "اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام اللهم واكنفنا بكنفك الذي لا يرام"، ومنه "أنا في حرزك وتحت كنفك ليلي ونهاري ونومي وقراري وظعني وأسفاري...".
وللكنف في كل هذه النصوص كما لا يخفى دلالات حسية ومعنوية متكافلة. قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار: "من كان في كنف اللـه أو في ستره وقي من الأشياء المكروهة".
واستعمال المادة مجردة في الشعر كثير متواتر أيضا ومنه قول ابن دريد:
ظعنوا ففي كنف الإله وحفظه لا زلت أرعى عهدهم وأحافظ
وقول ابن عربي:
العز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذله اللـه
وقول آخر:
في كنف الله وفي ستره من ليس يخلو القلب من ذكره
وقول الخالديين:
في كنف الله ظاعن ظعنا أودع قلبي وداعه حزنا
لا أبصرت مقلتي محاسنه إن كنت أبصرت بعده حسنا
أما استعمال مادة ك ن ف مزيدة فكثير أيضا وبصيغ عديدة ومنه في النثر قول أبي حيان في الإمتاع: "الروحانيات على أقسام ؛ فقسم منها متبدد في المركبات من الحيوان والجماد ، وقسم منها مكتنفٌ للحيوان والجماد ، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط وألطف من القسم الأول المتبدد". وقول أحدهم في رسالة أوردها القلقشندي في صبح الأعشى: "أنعم باتفاق كلمتهم واجتماع أهويتهم واكتناف الدعة والسكون لهم".
ومن ذلك في شعر المتأخرين والمتقدمين قول عبد الغفار الأخرس:
وأعظم بها دهياء وهي عظيمة إذا اكتنف الضرغام بالذل غابه
وقول علي بن محمد التهامي:
والسمر قد لفتهم أطرافها لفا كما اكتنف البنان الراحا
وقول ابن الرومي:
قضى اللّـَه – واللّـَهِ - لي بالغِنى يمينَ امرىء ٍ غيرِ ما حانثِ
إذا ما هما اكتنفا حاجتي فما ضرَّها عُقَدُ النافثِ
وقوله أيضا:
وكلُّ شعبةِ أصلٍ مثمرٍ عَقُمت فليس تُعتدُّ إلا أرذلَ الشُّعبِ
لذاك من قُضُب الرمان مُكتَنَفٌ يُحمى ويسقَى ومنبوذٌ مع الحطبِ
وهذا معنى بديع لطيف في الدلالة على المقصود من مصطلحات مثل: inclusive, inclusiveness، وقد أوردت معاجم اللغة عددا من الدلالات المعنوية المجازية المطردة لهذه المادة فقالوا، مثلا: كنَفَه يَكنُفه كنْفاً وأَكنَفه حَفِظه وأَعانه. وقالوا: أَكنَفْت الرجل إذا أَعَنْتَه فهو مُكْنَف.
وعليه، فإن هذه المادة أوفى من المصطلحات العربية الأخرى بالغرض المنشود من المصطلح العجمي المراد تعريبه، بل إن دلالات اللفظ العربي ك ن ف ومشتقاته أبلغ من الألفاظ العجمية الأم، في التعبير عن المعنى الاصطلاحي المنشود. وقد يكون من المناسب على نحو خاص، استعمال المادة بالصيغ والدلالات التالية:
الاكتناف اسما للعملية المنشودة، في التربية ونحوها مثلا inclusion؛
الاكتنافية مصدرا صناعيا لمقابلة inclusiveness
اكتنافي أو مُكنِف، أو كانِف، صفة للمرفق أو النظام أو العمل المنشود، في مقابل inclusive.
قد تبدو بعض هذه المفردات وحشية نشازا لأول وهلة، ولكن قليلا من الاستعمال يجعلها أنيسة أليفة.
واللـه الموفق،،،
الدكتور والباحث الخليل النحوي

Share

معلومات إضافية