تواصل" .. التموقع الاستراتيجي الوقائي المرحلي؟

نظم حزب التجمع للإصلاح والتنمية "تواصل"ليلة الأربعاء مائدة إفطار كبيرة تحت خيام فندق "حليمة" التي ماثلت فيترتيبها خيام عرس تقليدي من الما ضي القريب، ذي الظلال الثقيلة، بتراصها على شكل مربع في وسطه فسحة تدعى"المرجع" في الموروث الشعبي، تلتحف السماء، لاستقبال الخطباء وأهل الرقصوالطرب وقراءة الشعر التمجيدي.

واجتمع حول المائدة الفاخرة، بتنوع ما حوت من الطعاموالشراب، تحت الخيام التي غصت بعشرات المدعوين؛ كشكول معتبر من رؤساء وممثلي أحزابمن الأغلبية ومن المعرضة، وصحفيين ومناضلين ومدعوين وفضوليين بلا لون أو صريحانتماء لم يسألوا تكرما عن بطاقات الدعوة.



جُمع السياسيون بعناية في الزاوية الغربية ما بينالضلعين، الشمالي الذي خصصت خيامه للنساء، والجنوبي حيث حشر المدعوون والإعلاميونوالفضوليون تحت خيامه، فيما خصص الجناح الشرقي ومعه الوسط لاستضافة قسم التغطيةالإعلامية ومنبر الشعر والخطابة.



ولكن اللافت، بعيدا عن المظهرية والقدرة التنظيميةلدى التواصليين، هو اللقاء الحار الذي حصل بين قادة حزب تواصل الفاعلين مع من كانواإلى الأمس القريب نظراءهم وشركاءهم تحت قبته، يتقاسمون فكره ونهجه ويعملون معالتحقيق أهدافه حتى هجروه إلى "ضفة" أخرى ليتفيؤوا ظل قبتها. وكان هذا اللقاء،بما شاهده وشهد عليه الحاضرون، حارا وأخويا أنسى البعض ولوهلة القطيعة التي مازالت مصدر إلهام عديد المحللين السياسيين ومصدر تغذية زوايا ز أعمدة الإعلاميين وحواروتعاليق المصرين من المناضلين والمواطنين على معرفة الأسباب الحقيقية الكامنةوراءها وقد حيرت البعض الآخر الذي بدأ يبحت عن تعليل لهذا الموقف السهل الذي كان ممتنعا.



وقد جاء في الكلمة التي ألقاها بالمناسبة رئيس الحزب" أنه يحترم الشخصيات التي غادرت الحزب ويقدر مبرراتها إلى ذلك متفهما الدوافع والدواعي"، ولكنه أضاف "...لم ألمس "فيما نقل عمن غادر الحزب مبررا مقنعا أو لفتاإلى تقصير منا أو إخلالا بالأعراف المؤسسية، وزادنا تشبثا بموقفنا انتقال بعضهمدون محطات تمهيدية إلى الضفة الأخرى وتبنيهم لمواقف مناقضة تماما لما كانوا عليهدون تحول يبرر ذلك".



هي موريتانيا أماطت هذه الليلة المباركة العابرة- التي لم تخلو و على العادة من التذكير فيها بمعركة بدر الكبرى وعبرهاودروسها المستخلصة - الوشاحَ عن وجه من أوجه تعاطي سياسييها، منذ ما بعد الدولة "المرابطية"ونهاية "شر ببه"، مع التحولات في الأحكام وتعاقب الأنظمة ومساراتالحركات والأحزاب السياسية. وهو التعاطي الذي ظل يتمثل على الدوام في اتخاذالمواقف السريعة التي تصيب أحيانا والمرتجلة التي تخلط أحيانا أخرى الأوراق ليعاد ترتبهاقبل أن يرتد للجميع الطرفُ ولتأخذ الأمور نسقا جديدا سرعان ما ينسجم معه الآخرونبأمزجة وحسابات جديدة؛ وتنبح كلاب الاستغراب من دون أن توقف سير القافلة.



أما والاستعدادات على أشدها للدخول في مرحلة خوضالرئاسيات الوشيكة بعدما حسم أمر الترشحات بمعرفة المترشحين الستة بالأسماء والتوجهاتوالمفرز الفكري، ينشق من بين قيادة حزب التجمع للإصلاح والتنمية "تواصل"،إحدى أقوى التشكيلات السياسية وأكثرها تنظيما وحضورا رموزٌ قيادية معروفة من بعدأن أعلن الحزب دعمه للمرشح المستقل الوزير الأسبق في عهد الرئيس معاوية ولد سيديأحمد الطايع سيدي محمد ولد بوبكر، ليلتحقوا بالمرشح محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني الذي تقف وراءه أحزاب الأغلبية الحاكمة.



خطوة أصابت المراقبين والمواطنين بالذهول حيث أنالأمر شكل سابقة في حزب عرف بثبات قياداته على النهج الموحد والتشاور وكذلك بالتناوبفي داخله على عكس جميع الأحزاب الأخرى، وجعلتهم يجتهدون بعدما لم يعط الحزب أي تفسيرللظاهرة المستجدة عليه، بل إنه جعلها تمر مر الكرام وكأنها أمر طبيعي دبر عن قصد.



وهو الأمر كذاك الذي جعل بعض المحللين السياسيينوالمتابعين، لمسار حزب "تواصل" منذ نشأته، يستنتجون أن الظروف التي تمربها حركة "الإخوان المسلمين" في هذه الفترة وكثرة العقبات التي تعترضهموالحصار الذي ضرب على قياداتهم في كل الوطن العربي وعديد دول العالم والانتكاساتفي مسارات حكمهم لبعض البلدان التي كان لهم كحمها، هي التي جعلتهم يحجمون عن تقديممرشح. وهي الخطوة كذلك التي يريدون من خلالها منع المتربصين من النيل منهم وإلحاقالضرر بمكتسباتهم التي حققوها خلال الأعوام المنصرمة.



ويرى هؤلاء المحللون أيضا أن توزعهم بين أقوىالمرشحين، دعما واصطفافا ومساندة، هو نوع متقدم من تفريق الدم في حرارته لإبقاءللنبض حيا وصونا مطلوبا للمكاسب وضمانا للبقاء خلال المرحلة المقبلة أيا كانالفائز، ومن ثم القيام بتجميع الصفوف لنفث روح جديدة تعين على مواصلة المشوار بحذرمن الوقوع في الفخاخ حتى تزول الغمة ويجف ينبوع العداء وتنفتح آفاق جديدة يجمعونفيها قواهم المبعثرة ويستأنفون من حيث توقفوا مرحليا.



فهل ينجحون في العبور الآمن إلى إحدى الضفتينبمجاديف التموقع الاستراتيجي المرحلي الوقائي؟ أم هل أن الحسابات غير ما ذهب إليه هؤلاء المحللون وأن القطيعة لاعتبارات أعمق تمس الطرح والنهج وزوايا من الخطاب؟

 

الوليسيدي هيبه

معلومات إضافية