حرب طرابلس: بين الانقسامات الداخلية والتحالفات الإقليمية

يرجع المراقبون أزمة الدولة الليبية إلى عوامل ذاتية خاصة بالمرحلة الانتقالية في ليبيا التي لم يسبق لها تجربة أي حكم ديمقراطي مدني، وإلى افتقارها لأعراف التداول السلمي على السلطة، في حين يرى البعض أن جهات وعوامل خارجية إقليمية استغلت حالة ضعف الدولة، بهدف إطالة عمر المرحلة الانتقالية، في محاولة لضرب الاستقرار الليبي..وبخصوص موقف باقي بلدان الإتحاد المغاربي،

من القضية الليبية الراهنة، فإنّ الدول التي لا تريد استقرار الوضع في ليبيا وازدهار شعبها، هي نفسها التي تعرقل أي تقارب بين الجزائر والمغرب، خصوصا في الظرفية الحالية..

 

فكلما كانت هناك بوادر للانفراج بين الدولتين وقع إجهاضها، وقد أدرك الشعبين المغربي والجزائري، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي الأول مطلع 2011 أن العلاقات بين البلدين توجد في وضعية غير معقولة، وعبّرا عن إيمانهما بأن مواطني البلدين يستحقون العيش، في ظل نظام ديمقراطي وفضاء اقتصادي متكامل، يبوئهم مكانة مشرِّفة بين شعوب العالم..وبالتالي فإنّ المغاربة والجزائريين لن يقبلا معا الوضعية التي تعيشها ليبيا اليوم وهي وضعية مفتعلة وغير معقولة، تقف وراءها دول معروفة وقد ذكرها أدروغان مؤخرا بأسمائها.
ورغم انشغال هذا الأخير بأزمات تركيا الداخلية، وبالملف السوري، لم يتردد في التصريح بنيته التحرك لمنع "المؤامرة على الشعب الليبي" إذ ندّد أردوغان بالهجوم الذي تشنه قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، مؤكدا دعمه للحكومة الشرعية، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج..
وقد تصريحات أنقرة توازنا في المشهد الليبي نظرا لكون قوات عربية مثل الإمارات ومصر تتحالف مع طرف على حساب الآخر، معتقٍدةً أن حكومة الوفاق عاجزة عن صناعة تحالفات إقليمية..وكانت تركيا قد تفادت الدخول طرفا في الأزمة الليبية منذ اندلاعها، مكتفٍيّةً بدعم المساعي الرامية لحل الأزمة سياسيا. وبالنظر لإخفاق مبادرة الحل التي أطلقتها الأمم المتحدة، والمستمرة منذ عامين ونصف العام، بسبب العراقيل التي وضعتها بعض دول المنطقة وبعض الفاعلين المحليين، فقد قررت تركيا التدخل لتحقيق الاستقرار الليبي، خصوصا أمام تصاعد المظاهرات في طرابلس والمندِّدَة بعدوانية حفتر وعصابته. واستنادا للاتفاقيات الدولية بين تركيا وليبيا وفي إطار القانون الدولي وما أقرته الأمم المتحدة يمكن لتركيا دعم حكومة التوافق في مواجهة قوات حفتر بكل الوسائل الممكنة سواء المادية أو اللوجستية أو السياسية، خاصة وأنّ السياسة الخارجية لأنقرة تحررت من تحكّم أميركا في المنطقة، وهي لا تخشى زيادة التوتر الحاصل في العلاقة بين أنقرة وواشنطن.
وتصطف المعارضة التركية مع الرئيس والدولة حول هذه القضية بالذات، عكس مواقفها من الشؤون الداخلية التي عادة ما تختلف مع الحكومة حيالها. ويتوقع المراقبون حدوث ترابط كبير في العلاقات التركية الليبية عقب انتهاء الأزمة، وتزايد إمكانات التعاون في مجال إعادة بناء الدولة الليبية وإعادة هيكلة قطاع الأمن وتشييد البنى التحتية وتطوير العلاقات في المجال الثقافي والمدني.
ويرحب الليبيون وحكومة السراج الشرعية بكل صوت عاقل يدرك عواقب نشوب حرب شاملة في المنطقة وينبذون كل خطاب متطرف يريد تكرار ما حدث في اليمن أو سوريا.
إذ بررت حكومة الوفاق الليبية امتناعها عن بناء تحالفات، بحرصها على تجنيب ليبيا حربا إقليمية ستكون بمثابة شهادة وفاة للدولة الليبية، مُعتبٍرةً تركيا دولة كبيرة، وكان بإمكان دخولها منذ البداية بثقلها قلب المعادلة تماما، غير أن الرئيس أردوغان حدد هدف تركيا من التعاون مع ليبيا في منع هذه الأخيرة من أن تتحول إلى سوريا جديدة..
وذلك دعما للشرعية والمسار السياسي، وحرصا على مصالح تركيا من ناحية جيوإستراتيجية، من الضرر إذا ما صارت منطقة شمال أفريقيا ساحة حرب وإرهاب، تحت هيمنة محور السعودية والإمارات ومصر بالمنطقة أو بارتفاع أسعار النفط الذي سيرفع سقف الضغوطات على الاقتصاد التركي!.

 

قلم:عبدالصمد بوحلبة

معلومات إضافية